الكلمات وخداع الواقع: كيف تسلبنا المسميات الملطفة القدرة على الشعور بالأزمات؟

الكلمات وخداع الواقع: كيف تسلبنا المسميات الملطفة القدرة على الشعور بالأزمات؟

بقلم : باسمة النوري علي

مناظرة وطالبة جامعية

ليست الكلمات مجرد وسيلة للتواصل، ولا الجمل مجرد اصطفافٍ لألفاظٍ مهذبة المظهر؛ بل اللغة أداةٌ تشكّل وعينا، وتؤثر في الطريقة التي نفهم بها العالم من حولنا.

فكثيرًا ما يتغيّر حكمنا على فكرة ما ، أو حدث، أو سلوك، لمجرد تغيّر الاسم الذي نطلقه عليه، بينما يبقى جوهره ثابتًا لا يتبدل.

فيُسمّى الفساد “تسهيلًا للإجراءات”، وتُسمّى الرقابة “حمايةً للمجتمع”، ويُسمّى الظلم “إجراءً استثنائيًا”. ولم يعد هذا الأمر يقتصر على الخطاب السياسي أو الإعلامي، بل امتد إلى تفاصيل حياتنا اليومية.

أمثلة من الواقع

أتذكر أنني سمعت موظفة تسويق في إحدى العلامات التجارية تقول حرفيًا: “نواجه تحدي هروب الضي بعصائر باردة أكثر” ، لم تصفه الموظفة بأنه أزمة انقطاع كهرباء، رغم أن الواقع  كذلك، بل أعادت صياغته في قالب أكثر لطفًا وأقل صدمة. عندها أدركت أن تغيير المسميات لا يغيّر الواقع ، لكنه قد يغيّر الطريقة التي نتعامل بها معه ، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فالمسميات الجديدة لا تزيل الأزمات، لكنها تُخفّف وقعها في أذهاننا، حتى تصبح مع مرور الوقت أمرًا مألوفًا، وما كان يُعدّ استثناءً يتحول إلى اعتياد، وما كان يثير الغضب يصبح جزءًا من الروتين اليومي.

وهذا ما نعيشه، بدرجات متفاوتة، في ليبيا. فمع تكرار الأزمات وإعادة تغليفها بمسميات أقل حدّة، يتضاءل شعورنا بثقلها الحقيقي. وبدلًا من أن تدفعنا هذه الأزمات إلى المطالبة بحلول جذرية، تقودنا المسميات الملطفة إلى حالة من التخدير الجماعي؛ حيث نتكيف مع المعاناة وكأنها قدرٌ محتوم لا يمكن تغييره، ونستسلم لواقع كان يجب أن نرفضه.

إعادة تشكيل الإدراك العام

إن خطورة استبدال المسميات لا تكمن في تغيير الألفاظ فحسب، بل في قدرتها على إعادة تشكيل الإدراك العام، فاللغة لا تصف الواقع فقط، بل قد تعيد رسمه في وعينا.

وعندما تتغير الكلمات، قد تتغير معها ردود أفعالنا، ومعايير قبولنا ورفضنا، وربما سقف توقعاتنا أيضًا.

فالعالم لا يثور للحقائق وحدها، بل للشعور الذي تولّده. وهذا الشعور تصنعه الكلمات، فإذا جاءت الكلمات عاجزة عن وصف الواقع كما هو، بكل ثقله وسوئه، أو انشغلت بتلطيف قسوته واستبدال أسمائه، فإنها لا تخدع الواقع، بل تُخدّر الوعي تجاهه. وعندها، قد تنتهي المعركة قبل أن تبدأ.

أهمية الوعي اللغوي

لذلك، فإن الوعي باللغة ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة. فمن المهم أن نُحسن التفريق بين الاسم والحقيقة، وأن ندرك أن تغيير المسمى لا يغيّر جوهر الشيء، بل قد يغيّر فقط الزاوية التي ننظر منها إليه.

علينا أن لا نسمح للمسميات أن تستبدل الحقيقة في ذهننا،  سمِّ الأشياء بأسمائها، لأن الحقيقة لا تتغير بتغيّر الألفاظ، ولا تصبح الأزمة أقل أزمة لمجرد أننا اخترنا لها اسمًا أكثر لطفًا. فالكلمات قد تُجمّل الواقع، لكنها لا تملك القدرة على تغييره، بل إن أخطر ما تفعله أنها تسلبنا القدرة على الشعور به.

Related Posts
1 Comment
لازورد الفيزقة

مقال يتناول قضية في غاية الأهمية بلغة متمكنة، لكن لو نظرنا للموضوع من زاويتين، نجد أنه سلاح ذو حدين؛ فبينما يُخشى من تلطيف المسميات أن يتحول إلى تخدير للوعي كما أوضحت الكاتبة، فإن له جانباً إيجابياً متصل بالذكاء العاطفي.
استخدام مصطلحات أقل حدّة في يومياتنا يساعدنا على عدم الانحصار في السلبية أو تثبيط عزائم من حولنا، ويحافظ على نبرة مودة ولطف تمنع الفظاظة، وتمنحنا القوة لمواجهة صعوبة الواقع المعيشي دون أن نفقد أملنا أو إيجابيتنا.
تحياتي للكاتبة باسمة على هذا الطرح الثري!

Leave a Reply

Your email address will not be published.Required fields are marked *