بقلم : يحيى زهير القداري
لم يعد الإنسان في العصر الرقمي يشتري المنتجات فحسب، بل بات هو نفسه جزءاً من المنتج.
قد تبدو العبارة مبالغاً فيها للوهلة الأولى، لكنها تصف بدقة النموذج الاقتصادي الذي تقوم عليه أغلب المنصات الرقمية اليوم، فما يُباع ويُشترى لم يعد مقتصراً على السلع والخدمات، وإنما امتد إلى مورد أكثر ندرة من المال نفسه: انتباه الإنسان.
في الاقتصاد التقليدي كانت الشركات تتنافس على إقناع المستهلك بشراء منتج معين، أما اليوم فهي تتنافس على إبقائه متصلاً لأطول وقت ممكن.
الزمن الذي يقضيه المستخدم أمام الشاشة أصبح وحدة قياس للربح، وكل ثانية إضافية تعني فرصة جديدة للإعلان، ولجمع البيانات، ولتوجيه السلوك الاستهلاكي. هكذا نشأ ما يُعرف بـ”اقتصاد الانتباه”، حيث تحولت القدرة البشرية على التركيز إلى أصل اقتصادي بالغ القيمة.
آليات احتجاز الوعي
المفارقة أن معظمنا دخل هذا العالم بحثاً عن المعرفة أو التواصل أو الترفيه، لكنه وجد نفسه داخل منظومة لا تتوقف عن التنافس على وعيه. ليست الإشعارات، أو الفيديوهات القصيرة، أو خاصية التمرير اللانهائي، مجرد أدوات تصميم بريئة، بل هي نتاج سنوات من الدراسات في علم النفس السلوكي والاقتصاد المعرفي، هدفها الأساسي تقليل احتمالات مغادرة المستخدم للمنصة. فالنجاح لم يعد يُقاس بجودة المحتوى بقدر ما يُقاس بقدرته على احتجاز الانتباه.
ولعل هذا ما يفسر صعود المحتوى الذي يثير الانفعال على حساب المحتوى الذي يدعو إلى التفكير. فالغضب، والخوف، والدهشة، والجدل، كلها مشاعر تزيد من احتمالية المشاركة والتفاعل، وهو ما تكافئه الخوارزميات تلقائياً.
وفي المقابل، يجد المحتوى الهادئ أو التحليلي نفسه في موقع أقل تنافسية، ليس لأنه أقل قيمة، بل لأنه لا يحقق المعدلات ذاتها من التفاعل السريع.
التأثير على التفكير
لكن الأثر لا يتوقف عند طبيعة المحتوى الذي نستهلكه، بل يمتد إلى الطريقة التي أصبحنا نفكر بها. فالانتقال المستمر بين مئات الرسائل والصور والمقاطع المصورة أعاد تشكيل عاداتنا الذهنية. أصبح التركيز لفترات طويلة أكثر صعوبة، والقراءة المتأنية أقل حضوراً، بينما تراجعت مساحة التأمل التي كانت تمنح الأفكار فرصة للنضج. وفي خضم هذا التدفق الهائل للمعلومات، قد نعرف الكثير عن كل شيء، لكننا نفهم أقل مما نظن.
إلى جانب ذلك، خلقت الخوارزميات ما يشبه الغرف المغلقة للأفكار. فهي لا تعرض للمستخدم العالم كما هو، بل كما تتوقع أنه يفضله. وكلما تفاعل مع نوع معين من المحتوى، ازداد تعرضه لمحتوى مشابه، حتى يجد نفسه محاطاً بآراء تشبه رأيه، ومواقف تؤكد قناعاته، وأخبار تنسجم مع تصوراته المسبقة. وهكذا تتراجع فرص الاحتكاك بالاختلاف، ويصبح الحوار أكثر صعوبة، لأن كل طرف يعيش داخل واقع رقمي مختلف.
الأبعاد النفسية والاجتماعية
ولا يمكن تجاهل البعد النفسي لهذه الظاهرة. فالمقارنة المستمرة مع الصور المثالية التي تعرضها المنصات، واللهاث خلف الإعجابات والتفاعل، والخوف من فوات الأحداث، كلها عوامل أعادت تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين. إنها ليست مجرد آثار جانبية للتكنولوجيا، بل نتائج طبيعية لاقتصاد يقوم على جذب الانتباه بأي وسيلة ممكنة.
غير أن إلقاء اللوم كاملاً على المنصات سيكون تبسيطاً للمشهد. فالتقنية، في جوهرها، أداة محايدة، وقد أتاحت فرصاً غير مسبوقة للتعلم، والوصول إلى المعرفة، والتواصل الإنساني. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى سلطة خفية تعيد ترتيب أولوياتنا، وتحدد ما نراه، وما نتجاهله، وما نعتقد أنه يستحق اهتمامنا.
استعادة التحكم والانتباه
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في مغادرة العالم الرقمي، فهذا لم يعد خياراً واقعياً، وإنما في استعادة حقنا في إدارة انتباهنا. فالانتباه ليس مجرد وظيفة ذهنية، بل هو البوابة التي تتشكل عبرها أفكارنا، وتتكون أحكامنا، وتُصنع اختياراتنا اليومية. ومن ينجح في توجيه هذا الانتباه، يمتلك قدرة هائلة على التأثير في الأفراد والمجتمعات.
ربما لهذا السبب لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً هو: كم ساعة نقضيها أمام شاشاتنا؟ بل سؤال آخر أكثر عمقاً: هل ما زلنا نحن من يختار ما يستحق انتباهنا، أم أن هناك من اختار ذلك نيابةً عنا منذ زمن؟


