بقلم : ادريس العبيدي
اقتباس : إن التغيير الاقتصادي المنشود في ليبيا ليس مسؤولية جهة بمفردها، بل هو جهد تشاركي يتطلب إرادة حقيقية تحتضن المبادرات الشبابية، وأن المستقبل يُكتب بأيدينا وبعقولنا.
يمر الاقتصاد الليبي بظروف استثنائية تتطلب منا كشباب، وقادة للمستقبل، التفكير بجدية في هيكلة هذا الاقتصاد ورسم ملامحه القادمة لسنوات طويلة.
ظل قطاع النفط في ليبيا هو المحرك الأساسي والوحيد تقريباً لعجلة التنمية والإنفاق في البلاد، ومع ذلك فإن التقلبات المستمرة في أسواق الطاقة العالمية تفرض علينا التزاماً وطنياً وتنموياً بضرورة البحث عن بدائل حقيقية ومستدامة.
إن التحول من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي إلى اقتصاد متنوع ومنتج لم يعد خيارًا ترفيهياً، بل هو ضرورة حتمية لضمان الاستقرار وحماية الأجيال القادمة وبناء دولة تعتمد على عقول وسواعد أبنائها.
معضلة الاقتصاد الريعي
تشير البيانات والتقارير الاقتصادية الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي والمؤسسات المالية الدولية إلى أن القطاع النفطي يسهم بنسبة تتجاوز 95% من إجمالي الإيرادات السيادية للدولة، بنحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي.
هذا الاعتماد المفرط على مصدر أحادي وغير متجدد للدخل يجعل الاستقرار المالي والاجتماعي في ليبيا رهينة لعوامل وتقلبات خارجية لا يمكن التنبؤ بها.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تضخم الشق الأول من الميزانية العامة المتمثل في المرتبات واستيعاب القطاع العام للجزء الأكبر من القوى العاملة يحد بشكل كبير من مرونة الاقتصاد، ويقلل من حوافز الإنتاج والابتكار من هنا يبرز التساؤل الجوهري: كيف يمكننا كسر هذه الحلقة المفرغة والتوجه نحو تنويع اقتصادي حقيقي؟
الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال
إن الإجابة تكمن بشكل أساسي في طاقات الشباب الليبي وثورة ريادة الأعمال،حيث يمثل الشباب تحت سن الثلاثين النسبة الأكبر من التركيبة الديمغرافية في ليبيا، وهي قوة بشرية هائلة إذا ما تم توجيهها واستثمارها بالشكل الصحيح في العصر الرقمي الحديث.
لم يعد تأسيس المشاريع يتطلب ميزانيات ضخمة أو بنية تحتية صناعية معقدة؛ بل أصبح الابتكار القائم على المعرفة والتكنولوجيا هو المحرك الأسرع للنمو.
على سبيل المثال، يمكن لقطاعات مثل تقنية المعلومات، والخدمات المالية الرقمية (FinTech)، والتجارة الإلكترونية، وصناعة المحتوى الرقمي، أن تستوعب آلاف الخريجين والباحثين عن عمل.
هذا التوجه لا يخفف العبء المالي والتوظيفي عن كاهل الدولة فحسب، بل يساهم أيضاً في بناء اقتصاد ديناميكي مرن يسهل اندماجه في الأسواق الإقليمية والدولية.
تمكين الشباب اقتصادياً
لكي تنجح هذه الرؤية ويتحول الطموح الشبابي إلى واقع ملموس على الأرض، يتطلب الأمر التكامل بين ثلاثة محاور أساسية.
تبدأ بتحديث البيئة التشريعية والقانونية من خلال صياغة قوانين مرنة تشجع على تأسيس الشركات الناشئة وتسهل إجراءات تسجيلها وتمنح إعفاءات ضريبية محفزة للرياديين، وتكتمل بتسهيل الوصول إلى التمويل عبر تفعيل دور مؤسسات التمويل الأصغر وتطوير الصيرفة الإسلامية الاستثمارية وتقديم قروض ميسرة مخصصة للمشاريع الابتكارية بدلاً من الضمانات التعجيزية، جنباً إلى جنب مع تطوير مهارات المستقبل لردم الفجوة بين مخرجات التعليم التقليدي ومتطلبات سوق العمل المعاصر عن طريق التوسع في برامج التدريب المهني وبناء حاضنات ومسرعات أعمال تدعم الأفكار المبتكرة وتصقل مهارات الإدارة والتسويق الرقمي.
إن التغيير الاقتصادي المنشود في ليبيا ليس مسؤولية جهة بمفردها، بل هو جهد تشاركي يتطلب إرادة حقيقية تحتضن المبادرات الشبابية، وأن المستقبل يُكتب بأيدينا وبعقولنا.
إن المشاريع الصغيرة والمتوسطة هي العمود الفقري لأي اقتصاد مستدام وقادر على مواجهة الأزمات دعونا نجعل من التنوع الاقتصادي هدفنا الأسمى، ولنبدأ اليوم في غرس بذور الغد المشرق لبلادنا.
المصادر
- بيان الإيرادات والإنفاق الصادر عن مصرف ليبيا المركزي (2025)
https://cbl.gov.ly/revenue_and_expendit/
- تقرير مشاورات المادة الرابعة لبعثة صندوق النقد الدولي مع ليبيا (2025) https://www.imf.org/en/countries/lby


