الدبلوماسية الليبية ومجلس الأمن: كيف تحولت ليبيا من المشاركة في صنع القرار إلى موضوع القرار؟

الدبلوماسية الليبية ومجلس الأمن: كيف تحولت ليبيا من المشاركة في صنع القرار إلى موضوع القرار؟

بقلم : امحمد سالم المهدوي

باحث وناشط مدني

في السياسة الدولية، لا تُقاس قوة الدولة بمجرد حضور اسمها داخل المؤسسات الدولية، وإنما بقدرتها على الدفاع عن مصالحها والتأثير في النقاشات والقرارات التي تمس أمنها ومستقبلها.

 ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة ليبيا مع مجلس الأمن الدولي جديرة بالتأمل، إذ شغلت ليبيا مقعدًا غير دائم في المجلس خلال فترتين، الأولى عامي 1976–1977، والثانية عامي 2008–2009.

تجربة العضوية في مجلس الأمن

لم تكن العضوية غير الدائمة تعني امتلاك ليبيا قدرة منفردة على تحديد قرارات المجلس، لكنها منحتها فرصة للمشاركة المباشرة في المناقشات والمفاوضات المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين، وبناء العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأعضاء.

ومن ثم، فإن أهمية تلك العضوية تتجاوز كونها حدثًا تاريخيًا؛ فقد كانت ليبيا آنذاك موجودة داخل إحدى أهم مؤسسات النظام الدولي بوصفها طرفًا مشاركًا في النقاش متعدد الأطراف.

لكن عام 2011 مثّل نقطة تحول جوهرية، فمع اندلاع الصراع الليبي، أصبحت الحالة في ليبيا نفسها موضوعًا مباشرًا أمام مجلس الأمن.

 وقد تجسد ذلك في القرار 1970 لعام 2011، الذي فرض تدابير دولية على خلفية الوضع في ليبيا، من بينها حظر الأسلحة وتجميد الأصول وإحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية.

 ثم جاء القرار 1973 لعام 2011 متضمنًا تدابير إضافية، من بينها إنشاء منطقة حظر جوي واتخاذ إجراءات لحماية المدنيين.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: كانت ليبيا في مرحلة سابقة تشارك من داخل مجلس الأمن في مناقشة قضايا السلم والأمن الدوليين، لتتحوّل أزمتها الداخلية  بعد العام 2011 موضوعًا لقرارات وإجراءات دولية.

تحديات التأثير الدبلوماسي

غير أن الحضور الدولي لا يعني بالضرورة التأثير الدولي. فوجود قضية ما على جدول أعمال مجلس الأمن لا يعني أن الدولة المعنية تمتلك القدرة على تحديد كيفية التعامل معها.

والدبلوماسية المؤثرة لا تقتصر على إيصال الموقف الوطني إلى الخارج، بل تشمل بناء التحالفات، وفهم مصالح الأطراف المختلفة، وتقديم البدائل، وحشد الدعم، وتحويل الموقف السياسي إلى قدرة على التفاوض.

ومن هنا، فإن التحدي أمام ليبيا لا يتمثل فقط في أن يكون صوتها مسموعًا، بل في امتلاك القدرة على تحويل هذا الصوت إلى تأثير فعلي في المواقف والقرارات التي تمس مصالحها.

ولا يمكن فصل هذه القدرة عن الوضع الداخلي للدولة. فمن الصعب بناء سياسة خارجية فعالة عندما تتعدد مراكز القرار أو تستمر الانقسامات السياسية والمؤسسية. وقد شهدت ليبيا  مراحل متكررة من الانقسام، الأمر الذي جعل صياغة موقف خارجي موحد أكثر تعقيدًا.

ولا يعني ذلك أن العوامل الداخلية وحدها تفسر الحضور الدولي في ليبيا؛ فالأزمة ارتبطت أيضًا بتنافس ومصالح إقليمية ودولية، إضافة إلى ملفات الطاقة والهجرة والأمن. إلا أن ضعف المؤسسات والانقسام الداخلي يمكن أن يحدّا من القدرة على بناء موقف تفاوضي موحد والتعامل مع هذه المنافسة من موقع أكثر قوة.

كما لا يمكن فهم الدبلوماسية الليبية بمعزل عن الاقتصاد. فليبيا تعتمد بدرجة كبيرة على النفط، ولذلك فإن حماية الموارد وإدارة عوائدها واستقرار الإنتاج والتصدير ليست قضايا اقتصادية فقط، بل يمكن أن تكون لها انعكاسات سياسية وأمنية ودبلوماسية.

وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية الاقتصادية. فالدبلوماسي المعاصر يحتاج إلى معرفة بالعلاقات الدولية، لكنه يحتاج كذلك إلى فهم الاقتصاد السياسي، وأسواق الطاقة، والتجارة الدولية، والاستثمار، والعقوبات، والمؤسسات المالية الدولية. فالطاقة والهجرة والأمن والاستثمار والمناخ أصبحت ملفات مترابطة في السياسة الدولية، وهو ما يتطلب كوادر قادرة على التعامل معها بصورة متكاملة.

رؤية مستقبلية للدبلوماسية الليبية

أما غياب ليبيا عن عضوية مجلس الأمن منذ انتهاء فترتها الأخيرة عامي 2008–2009، فلا ينبغي تفسيره بعامل واحد.

فالعضوية غير الدائمة تُحسم عبر انتخابات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في إطار اعتبارات جغرافية ودبلوماسية وتنافسية. ومع ذلك، فإن التحولات السياسية والمؤسسية التي أعقبت 2011 جعلت بناء سياسة خارجية موحدة واستراتيجية دبلوماسية طويلة الأمد أكثر صعوبة.

ولهذا، فإن العودة المستقبلية إلى مجلس الأمن لا ينبغي أن تبدأ عند موعد الانتخابات، بل قبلها بسنوات، من خلال بناء العلاقات والشراكات والتحالفات، وتطوير الكوادر، وتحديد المصالح الوطنية بوضوح.

والأهم أن المقعد لا يصنع النفوذ، العضوية تمنح الدولة منصة وفرصة، لكنها لا تمنحها التأثير تلقائيًا. وإذا أرادت ليبيا استعادة حضور أقوى، فإنها تحتاج إلى دبلوماسية أكثر استباقية، ومؤسسات أكثر اتساقًا، وكوادر متخصصة في القانون الدولي والتفاوض والاقتصاد السياسي والطاقة وإدارة الأزمات وبناء السلام.

كما تحتاج إلى ربط الدبلوماسية بالبحث والمعرفة؛ فالدولة التي تنتج المعرفة المتعلقة بمصالحها وتحدياتها الدولية تكون أكثر قدرة على صياغة الخيارات والتفاوض بشأنها، بدل الاكتفاء بالاستجابة للأزمات بعد وقوعها.

وتكشف التجربة الليبية درسًا مهمًا: الدبلوماسية المؤثرة لا تبدأ عندما تحصل الدولة على مقعد، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات.

لذلك، فإن استعادة الدور الليبي داخل المؤسسات الدولية لا ينبغي أن تكون مجرد هدف للحصول على مقعد، بل جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء الدبلوماسية الليبية على أسس مؤسسية ومهنية واستراتيجية.

فليبيا لا تحتاج فقط إلى استعادة مقعدها في مجلس الأمن؛ بل تحتاج إلى استعادة القدرة على التأثير عندما تجلس على ذلك المقعد.

الانتقال الحقيقي ليس من خارج المجلس إلى داخله فحسب، وإنما من دولة يُناقش ملفها في المؤسسات الدولية، إلى دولة تمتلك القدرة على المشاركة الفاعلة في صياغة القرارات التي تمس مستقبلها.

وهنا تكمن المسافة الحقيقية بين أن تكون موضوعًا للقرار وأن تصبح شريكًا في صناعته.

المصادر

United Nations Security Council. (n.d.). Members of the Security Council. United Nations.
https://www.un.org/securitycouncil/content/repertoire/members

United Nations Security Council. (2011). Resolution 1970 (2011): The situation in Libya. S/RES/1970 (2011), 26 February 2011.
https://undocs.org/S/RES/1970(2011)

United Nations Security Council. (2011). Resolution 1973 (2011): The situation in Libya. S/RES/1973 (2011), 17 March 2011.
https://undocs.org/S/RES/1973(2011)

Security Council Report. (n.d.). UN Documents on Libya.
https://www.securitycouncilreport.org/un-documents/libya/

United Nations Security Council. (n.d.). Repertoire of the Practice of the Security Council. United Nations.
https://main.un.org/securitycouncil/en/content/repertoire

Related Posts
Leave a Reply

Your email address will not be published.Required fields are marked *