بقلم : عماد شنب
في اليوم العالمي للشباب، لا ينبغي أن يكون حديثنا عن الشباب الليبي مجرد احتفاء بفئة عمرية أو مناسبة عابرة، بل حديثاً عن مستقبل ليبيا نفسها؛ فالشباب والشابات يمثلون قوة بشرية وطنية كبيرة، والاستثمار فيهم هو استثمار مباشر في استقرار ليبيا وتنميتها ومستقبل أجيالها.
ومن واقع سنوات من العمل والتواصل المباشر مع الشباب في مختلف المجالات، ازددت إيماناً بأن ليبيا تمتلك جيلاً قادراً على العطاء وتحمل المسؤولية متى توفرت له الفرصة، ومتى آمن هو أولاً بقدراته ودوره. ولذلك فإن تمكين الشباب ليس ترفاً سياسياً أو اجتماعياً، وإنما ضرورة وطنية لبناء دولة قادرة على تجاوز الانقسام والصراعات واستعادة الأمل في المستقبل.
من المبادرة إلى صناعة التغيير
أثبت الشباب الليبي خلال السنوات الأخيرة قدرته على المبادرة وإحداث التغيير الإيجابي في عدة محطات، ومن أبرزها انتخابات المجالس البلدية؛ حيث أظهر الشباب شجاعة وكفاءة في خوض الاستحقاقات الانتخابية وتحقيق الفوز في عدد من البلديات.
وهذا يعكس تحولاً مهماً في نظرة المجتمع والرأي العام، والانتقال تدريجياً من النظرة النمطية للشباب إلى الثقة بقدراتهم والتعويل عليهم في تحمل المسؤولية.
كما يتولى الشباب اليوم مواقع مهمة داخل مؤسسات الدولة والإدارات والقطاعات السياسية والاجتماعية والمدنية والأمنية والعسكرية، وأثبت الكثير منهم جدارتهم وقدرتهم على القيادة والعمل بكفاءة واقتدار.
لكن أمامنا في الوقت نفسه جيل جديد من الشباب، ما زالت تفصله فجوة واضحة عن مواقع صناعة القرار وعن أجيال سياسية تتولى المسؤولية منذ سنوات طويلة. وردم هذه الفجوة مسؤولية مشتركة؛ تبدأ بإتاحة الفرص أمام الشباب، ولكنها تبدأ أيضاً من الشباب أنفسهم.
فلا ينبغي للشباب انتظار أن يمنحهم أحد مكانهم. عليهم أن يصنعوا مكانتهم وينتزعوها بالعلم والكفاءة والعمل والمشاركة والمبادرة، وأن يؤمنوا بأنهم قادرون على صناعة واقع جديد لليبيا.
منتدى حوار الشباب.. منصة للتمكين وصناعة الفرص
يسعى منتدى حوار الشباب إلى نقل أفكار الشباب من دوائرهم الضيقة إلى المساحة العامة والرأي العام، وتوفير منصة حقيقية لنقل أصواتهم وطرح حلولهم وأفكارهم والدعوة إلى العمل، مع تذليل الصعاب أمامهم ليكونوا قوة فاعلة ومؤثرة في المجتمع.
ونحن نؤمن بأن الشباب لا يحتاجون فقط إلى من يتحدث باسمهم، وإنما إلى المساحة والأدوات والفرصة التي تمكنهم من الحديث والعمل والإنجاز بأنفسهم.
يعمل المنتدى باستمرار على توفير الفرص وتأهيل الشباب المتميزين ودفعهم نحو المواقع القيادية ومراكز صناعة القرار.
كما يسعى لأن يكون جسراً للتواصل بين الشباب وصناع القرار والحكومة والوزارات ومختلف مؤسسات الدولة، بما يساعدهم على أخذ زمام المبادرة وتقديم الخدمات لمجتمعاتهم ووطنهم.
وما نحتاج إليه اليوم هو الانتقال من التعامل مع الشباب باعتبارهم فئة تحتاج إلى الاحتواء، إلى التعامل معهم باعتبارهم شريكاً وطنياً في بناء الدولة وصناعة مستقبلها.
تحديات كبيرة وإمكانيات أكبر
يواجه الشباب الليبي اليوم مجموعة من التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية المترابطة، والتي تضغط على خياراتهم ومستقبلهم.
اقتصادياً، يواجه الشباب انخفاض قيمة الدينار وارتفاع الأسعار، وصعوبة الحصول على السكن، وضيق فرص العمل، وعدم الاستقرار الاقتصادي، وهي ظروف تجعل بناء المستقبل وتكوين الأسرة وتحقيق الاستقلال الاقتصادي أكثر صعوبة.
سياسياً، لا يزال الانقسام وغياب الأفق السياسي المستقر يحولان دون توظيف طاقات الشباب في مشاريع سياسية وبرامجية حقيقية و استحقاقات انتخابية منتظمة.
واستمرار هذا الواقع يعني هدر طاقات جيل كامل، ولذلك يعمل المنتدى على توعية الشباب وتوجيه إمكانياتهم نحو المشاركة الإيجابية والبناء.
أمنياً واجتماعياً، دفعت الظروف الاقتصادية الصعبة وغياب البدائل وفرص العمل ببعض الشباب إلى البحث عن مصادر للدخل والانخراط في مسارات توفر مكاسب مالية سريعة، بما في ذلك بعض التشكيلات والجهات المسلحة. ولا يمكن معالجة هذه الظاهرة بالشعارات وحدها، وإنما بتوفير بدائل حقيقية: التعليم والتدريب والعمل والاقتصاد المنتج، وفتح أبواب المشاركة أمام الشباب داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
إن ليبيا تمتلك إمكانيات وثروات وفرصاً هائلة في مختلف المجالات، والمفارقة أن بلداً بهذه الإمكانيات لا ينبغي أن يشعر شبابه بأن مستقبلهم مسدود.
ولذلك فإن إصلاح الاقتصاد، واستقرار الدولة، وتوسيع فرص التعليم والعمل وريادة الأعمال ليست ملفات منفصلة عن قضية الشباب؛ بل هي في صميمها.
الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار في ليبيا
نحن بحاجة إلى رؤية وطنية تبدأ من الطفولة وتمتد إلى الشباب؛ لأن الاستثمار في تعليم الإنسان وتكوينه وتأهيله هو الاستثمار الأكثر استدامة في مستقبل ليبيا.
ولهذا أطلق منتدى حوار الشباب مشروع «جسر الكفاءات»، باعتباره مشروعاً استراتيجياً يهدف إلى رفع كفاءة الشباب وتأهيلهم وربطهم بالفرص المتاحة، والمساهمة في إعداد جيل يمتلك المعرفة والأدوات اللازمة لدخول سوق العمل ومؤسسات الدولة ومواقع المسؤولية.
نريد أن يكون المنتدى منصة يستند إليها الشباب في تحقيق طموحاتهم، لكن المسؤولية أكبر من أي مؤسسة أو مبادرة منفردة. نحن بحاجة إلى أن يصبح الاستثمار في الشباب سياسة وطنية للدولة، وأن يدرك المسؤولون والساسة أن بناء الإنسان الليبي اليوم هو أقصر طريق لبناء الدولة غداً.
رسائل في اليوم العالمي للشباب
إلى الشباب الليبي ، لا تفقدوا الأمل مهما كانت صعوبة الواقع، آمنوا بقدراتكم، واستثمروا في تعليمكم ومعرفتكم، وارفعوا كفاءاتكم، وساندوا بعضكم بعضاً، لا تنتظروا المستقبل، بل استعدوا له وشاركوا في صناعته.
ليبيا تحتاج إليكم، وربما أكثر من أي وقت مضى. ففي ظل الانقسامات والصراعات والإحباط، يظل الشباب هم القوة الأكثر قدرة على كسر الجمود وصناعة واقع مختلف.
نحن لسنا مسؤولين عن حاضرنا فقط، بل عن الوطن الذي سنتركه لأبنائنا وللأجيال التي ستأتي بعدنا. لقد ورثنا وطناً صنع تاريخه أجداد حملوا مسؤوليتهم ودافعوا عن أرضهم وتركوا لنا إرثاً وطنياً كبيراً، وعلينا أن نكون على قدر مسؤولية الحفاظ عليه وبناء دولته.
إلى الحكومة الليبية والأجسام التنفيذية
ندعو إلى الالتفات الجاد إلى الشباب، وألا يتم التعامل معهم باعتبارهم مجرد أرقام أو «كوتة» رمزية في مواقع صورية.
المطلوب هو تمكين حقيقي وفعال، والاستثمار في التعليم والتدريب وفرص العمل، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة وإعطائها الثقة والمسؤولية لتثبت جدارتها في خدمة مجتمعاتها ووطنها.
إلى مجلسي النواب والدولة
ندعو المجلسين، بوصفهما جسمين تشريعيين رئيسيين، إلى ألا يكونا عائقاً أمام مسار العملية السياسية، وأن يبذلا كل الجهد لإنجاحها وفق مقتضيات المسؤولية الوطنية.
إن استمرار الأزمة السياسية ينعكس مباشرة على الاقتصاد والاستقرار وفرص الشباب. وحلها يمثل مفتاحاً لتهيئة البيئة السياسية والانتخابية التي تسمح لجيل جديد بالدخول إلى المجال العام والمساهمة في إصلاح ما يمكن إصلاحه.
إلى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL)
ندعو البعثة، بموجب التفويض الممنوح لها من مجلس الأمن، إلى أن تكون أكثر حزماً في التعامل مع حالة الانسداد السياسي، وأن تدفع باتجاه حلول واقعية وقابلة للتنفيذ.
ومع ذلك، نؤكد أن المسؤولية الأولى تبقى مسؤوليتنا نحن الليبيين. وقد قدم منتدى حوار الشباب خلال السنوات الماضية مبادرات ومقترحات عملية للمساهمة في إنهاء الأزمة بالوسائل السلمية والديمقراطية.
كما ندعو البعثة إلى الاستماع بصورة أكبر إلى أصوات الشباب، والاستفادة من طاقتهم وحضورهم المجتمعي، وعدم حصر العملية السياسية في الأطراف التقليدية والتجاذبات الدولية؛ فالشباب الذين يمثلون شريحة واسعة من المجتمع يجب أن يكونوا جزءاً أصيلاً من أي مسار يرسم مستقبل ليبيا.
إلى المستشار الرئاسي الأمريكي السيد مسعد بولس والشركاء الدوليين
نتابع ما يُطرح من تفاهمات وتحركات ومبادرات لإعادة تحريك الملف الليبي، ونتعامل بإيجابية واقعية مع كل جهد يمكن أن يساهم في إنهاء حالة الجمود، متى استجاب للحد الأدنى من تطلعات الليبيين، وخاصة الشباب.
لكن نجاح أي مبادرة يظل مرتبطاً بأن تكون بملكية ليبية حقيقية، وأن تدعم المسار الديمقراطي والسياسي الذي أقرته ثورة 17 فبراير، والقائم على الحرية والعدالة والديمقراطية والدولة المدنية.
وندعو الإدارة الأمريكية وبقية الشركاء الدوليين إلى العمل بما يدعم مدنية الدولة، ويمنع تغول أي طرف على الآخر، ويساعد الليبيين على الوصول إلى دولة مستقرة ذات مؤسسات موحدة ومسار ديمقراطي واضح ومستدام.
ليبيا تستحق أن نحاول
في اليوم العالمي للشباب، رسالتي ليست أن شباب ليبيا هم المستقبل فقط؛ فهم حاضر ليبيا أيضاً.
هم اليوم في مؤسسات الدولة، وفي الجامعات، وفي البلديات، وفي القطاع الخاص، وفي المجتمع المدني، وفي كل مدينة وقرية ليبية. وقد أثبتوا أنهم قادرون على العمل والقيادة وتحمل المسؤولية.
وما تحتاجه ليبيا اليوم هو أن تتوحد هذه الطاقات حول مشروع وطني حقيقي، يتجاوز الانقسام والمصالح الضيقة، ويمنح جيلاً جديداً حقه في المشاركة في بناء وطنه.
طريقنا لن يكون سهلاً، ولكن سوء الواقع لا ينبغي أن يكون سبباً للاستسلام، بل دافعاً للعمل.
علينا أن نتعلم، وأن نبني، وأن نستمر، وأن نؤمن بأن ليبيا قادرة على النهوض، وأن ننتزع مكاننا في صناعة مستقبلها بالعلم والعمل والكفاءة والإرادة.
هذا وطننا، ونحن حاضره ومستقبله، ومسؤولية بنائه مسؤوليتنا جميعاً.


