بقلم : أحمد غيضان
على مر العقود، ظل الشباب الليبي الرقم الصعب في معادلة التغيير، والوقود الحقيقي لكل حراك يسعى نحو الكرامة.
ولكن، في ظل التحولات الكبرى التي تمر بها البلاد، آن الأوان لتغيير المعادلة من النظر إلى الشاب كـ “أداة” للتنفيذ أو وسيلة للصراع، إلى كونه “قائداً” يمتلك الرؤية والقرار.
إن التحول من التضحية بالدم إلى العطاء بالفكر والقيادة هو المسار الوحيد لتأسيس الدولة الليبية المنشودة؛ دولة المؤسسات، التطور، والتحضر.
جيل على العهد
لا يمكننا الحديث عن المستقبل دون الانحناء إجلالاً وتقديراً واحتراماً لما قدمه الشباب الليبي في الماضي القريب والبعيد.
لقد كانوا دائماً في الصفوف الأولى، لم يبخلوا بأرواحهم ولا بأحلامهم عندما ناداهم الوطن، هذه التضحيات الجسيمة لم تكن مجرد ردود فعل عابرة، بل كانت تعبيراً عن إيمان عميق بوطن يستحق الأفضل.
إن هؤلاء الشباب الذين واجهوا الصعاب وقدموا الغالي والنفيس، هم الأحق اليوم بقطف ثمار الاستقرار، وهم الأجدر بإدارة الدفة، لأن من صان الوطن بدمه هو الأحرص على بنائه بعرقه وفكره.
وهنا يتوجب على الجميع أن يقتنع بأن الشباب اليوم قد انتقلوا من المرحلة التي كانوا فيها أداة تُستعمل، إلى قادة في المستويات العليا للقيادة.
ولفترة طويلة، تم اختزال دور الشباب في أدوار ثانوية أو استشارية صورية، وفي أحيان كثيرة استُنزفت طاقتهم في صراعات استهلكت قدراتهم.
الانتقال إلى “القيادة”
التمكين السياسي الحقيقي: ليس فقط من خلال الكوتا أو التمثيل الرمزي، بل بتقلد مناصب سيادية وتكليفات وزارية وإدارية تمكنهم من وضع السياسات العامة.
صناعة القرار الوطني: إشراك الشباب في رسم ملامح الدستور والقوانين المنظمة للحياة السياسية والاقتصادية، لضمان أن القادم من الأيام يمثل تطلعات الجيل الحالي.
إطلاق العنان للابتكار: الشباب الليبي اليوم يمتلك أدوات العصر من تكنولوجيا والعلوم الحديثة، وهم الأقدر على تحويل الاقتصاد الليبي من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد معرفي رقمي.
حق التمكين: وهذا استحقاق لا منحة؛ فإن تمكين الشباب ليس “منحة” تقدمها الحكومات، بل هو استحقاق وطني وحق مكتسب.
تشير البيانات السكانية في ليبيا إلى أن المجتمع الليبي هو مجتمع “فتي” بامتياز، حيث تمثل الفئة العمرية تحت سن 30 عاماً أكثر من 60% من إجمالي السكان. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل هو قوة ضاربة إذا ما استُثمرت بشكل صحيح.
وفقاً لتقارير التنمية البشرية، فإن الدول التي أدمجت الشباب في مؤسساتها الرسمية شهدت استقراراً سياسياً ونمواً اقتصادياً أسرع بنسبة تصل إلى 80% مقارنة بالدول التي غيبت هذا الدور. لذا، فإن فتح المجال أمام الشباب لتقلد المناصب القيادية هو الضمانة الحقيقية لمنع تكرار الأزمات السابقة.
ملامح الدولة المنشودة: بعيون شبابية
الدولة المتطورة المتحضرة التي يسعى إليها الشباب الليبي ليست مجرد مبانٍ وطرقات، بل هي منظومة قيمية تقوم على الشفافية والمساءلة حيث يقود الشباب حملات التحول الرقمي لمحاربة الفساد، والعدالة الاجتماعية لضمان تكافؤ الفرص بعيداً عن الجهوية والقبلية والمحاصصة، إضافة إلى الريادة الاقتصادية عبر دعم المشاريع الصغرى والمتوسطة التي يقودها الشباب لتكون هي المحرك الأساسي للسوق الليبي.
إن الرسالة الموجهة اليوم لصناع القرار وللمجتمع الليبي بأسره هي أن الشباب الذين كانوا “أداة” التغيير بالأمس، يجب أن يكونوا “قادة” البناء اليوم.
إن إطلاق العنان لهؤلاء المبدعين وتمليكهم لزمام الأمور ليس مغامرة، بل هو الاستثمار الأضمن لمستقبل ليبيا. لقد ولى زمن الانتظار، وحان زمن الانطلاق نحو دولة ليبية مدنية، متطورة، يقودها شبابها بعزم وثبات، وفاءً لمن رحلوا وأملاً لمن سيأتون.
المصادر:
الهيئة العامة للمعلومات (ليبيا) – إحصائيات التوزيع السكاني.
تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) حول تمكين الشباب في المنطقة العربية.
إستراتيجية دعم الشباب الوطنية (وزارة الشباب الليبية).


