بقلم : عمران عماره هيبلو
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسائل للتواصل وتبادل الأفكار، بل أصبحت فضاءً تتقاطع فيه الحقوق والحريات مع الواجبات القانونية، ومن أكثر الإشكاليات إثارة للنقاش تلك المتعلقة بالحد الفاصل بين حرية التعبير، بوصفها حقًا، وبين التشهير، بوصفه اعتداءً على حق لا يقل أهمية عنها، وهو الحق في الشرف والاعتبار.
الإطار الدستوري والقانوني لحرية التعبير
وقد أقر الإعلان الدستوري الليبي هذا الحق صراحة، حيث نصت المادة (14) على أن الدولة “تضمن حرية الرأي وحرية التعبير الفردي والجماعي وحرية الاتصال والصحافة ووسائل الإعلام والطباعة والنشر، بما لا يتعارض مع القانون”، وهو ما يؤكد أن حرية التعبير حق أصيل، لكنه يمارس في إطار قانوني يحمي كذلك حقوق الآخرين.
حدود التعبير والتضليل باسم الرأي الشخصي
وتكمن الإشكالية في أن البعض يتصور أن مجرد القول بأن ما يكتبه (رأي شخصي) يكفي لإضفاء المشروعية عليه، بينما الحقيقة تختلف عن ذلك، فحرية التعبير تصون إبداء الرأي والنقد الموضوعي وتبادل الأفكار، لكنها لا تمتد إلى نشر عبارات تنال من سمعة الآخرين أو تمس كرامتهم أو تتضمن اتهامات غير قائمة على أساس ودليل مشروع، فالحقوق والحريات لا تمارس بمعزل عن حقوق الآخرين، وإنما تتوازن معها في إطار سيادة القانون وتحقيق التوازن بين مصالح الفرد والمجتمع.
وفي هذا السياق، فإن المشرع الليبي لم يترك الاعتداء على الشرف والسمعة دون حماية، إذ عالج قانون العقوبات أفعال السب والتشهير ضمن الجرائم الماسة بالشرف؛ فنصت المادة (438) على تجريم خدش شرف الشخص أو اعتباره، بينما تناولت المادة (439) جريمة التشهير والاعتداء على سمعة الغير لدى عدة أشخاص، مع تشديد الحكم في بعض الحالات التي يقع فيها التشهير عن طريق الصحف أو غيرها من طرق العلانية.
مكافحة الجرائم الإلكترونية
وتتضاعف خطورة الأمر في البيئة الرقمية؛ إذ تتميز بسرعة انتشار المحتوى واتساع نطاق وصوله، بما يجعل الضرر الناتج عن التشهير أكثر جسامة من الوسائل التقليدية، وخاصة في ظل البيئة الإلكترونية ومرتاديها من مختلف الفئات التي يسهل التلاعب بها من خلال نشر الشائعات. وقد أخذ المشرع الليبي في الاعتبار خصوصية هذه البيئة من خلال إصدار قانون رقم (5) لسنة 2022 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية، الذي وضع إطارًا قانونيًا خاصًا بالأفعال المرتكبة باستخدام أنظمة الحاسب الآلي وشبكة المعلومات الدولية ووسائل تقنية المعلومات.
والأهم في موضوع حرية التعبير أن المادة (4) من قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية قررت أن استخدام شبكة المعلومات الدولية ووسائل التقنية الحديثة مشروع، ما لم يترتب عليه مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة أو الإساءة إلى الآخرين أو الإضرار بهم، وهو نص يوضح بصورة مباشرة أن استخدام الوسائل الرقمية لا يمنح صاحبها حصانة من المسؤولية القانونية، وأن الحق في استخدام هذه الوسائل يقابله التزام بعدم الاعتداء على حقوق الغير.
حفظ الأدلة الإلكترونية والتحديات الإجرائية
كما أن الاعتقاد بإمكانية الإفلات من المسؤولية بمجرد حذف المنشور أو التعليق لا يستند إلى أساس قانوني، لأن المحتوى الإلكتروني قد يبقى محفوظًا بوسائل تقنية متعددة، ويمكن أن يشكل لاحقًا عنصرًا من عناصر الإثبات متى استوفى شروطه القانونية، وهنا تبرز أهمية تطوير وسائل الإثبات والإجراءات بما يتناسب مع طبيعة الجرائم الرقمية، خاصة في ظل التطور السريع للتكنولوجيا، وهو ما يطرح تحديات أمام المشرع والجهات القائمة على التحقيق والقضاء، ولا سيما عندما تكون وسائل الإثبات التقليدية غير كافية وحدها للتعامل مع طبيعة الدليل الرقمي.
لذلك فإن حماية حرية التعبير لا تعني التسامح مع الإساءة للآخرين، و حماية السمعة لا تعني تقييد النقد البناء، الأمر الذي يتطلب موازنة عاقلة تتحقق عندما يمارس الفرد حقه في التعبير بمسؤولية، ملتزمًا باحترام القانون وحقوق الآخرين، ومدركًا أن الكلمة المنشورة في الفضاء الرقمي قد تترتب عليها آثار قانونية لا تزول بزوال المنشور نفسه.
النقد البناء ونقد أداء الشخصيات العامة
وتزداد أهمية هذا التوازن عندما يكون التعبير متعلقًا بالشأن العام أو بأداء المؤسسات والأشخاص الذين يتولون مهامًا عامة؛ إذ ينبغي التمييز بين النقد الذي يستهدف أداءً أو قرارًا أو سياسة عامة، وبين العبارات التي تستهدف الشخص ذاته بقصد الإساءة أو التشهير، فالمجتمع يحتاج إلى النقد والمساءلة، لكنه في الوقت ذاته يحتاج إلى حماية الأفراد من الاعتداء غير المشروع على سمعتهم وكرامتهم.
التوازن أساس دولة القانون
وفي النهاية، تبقى الكلمة مسؤولية لكل عاقل قبل أن تكون حقًا؛ فكلما اتسعت مساحة التعبير، ازدادت الحاجة إلى وعي قانوني يرسخ ثقافة الحوار، ويحفظ للإنسان حقه في التعبير عن رأيه، دون أن يكون ذلك على حساب كرامة غيره أو اعتباره، فالدول لا تقيس قوة حرية التعبير بغياب ضوابطها، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين صون الحريات وحماية الحقوق، وهي الموازنة العاقلة التي تشكل أحد أهم أسس دولة القانون.


