من حق الاحتجاج إلى ثقافة الاحتجاج: لماذا يُسمع صوت المجتمع في أوروبا ويخفت في ليبيا؟

من حق الاحتجاج إلى ثقافة الاحتجاج: لماذا يُسمع صوت المجتمع في أوروبا ويخفت في ليبيا؟

بقلم : خولة علي الطليعي

باحثة في الدراسات الاقليمية والدولية

في الأيام الأخيرة عادت شوارع فرنسا وبعض المدن الأوروبية إلى مشهد بات مألوفاً في الديمقراطيات الغربية: طلاب، نقابات، وعمال يخرجون للاحتجاج على قضايا تتعلق بالتعليم وتكاليف المعيشة ومستقبل الخدمات العامة. قد يختلف المراقبون حول أسباب هذه الاحتجاجات أو مدى مشروعيتها، لكن ما يلفت الانتباه حقاً ليس الاحتجاج نفسه، بل قدرة المجتمع على تحويل مطالبه إلى قضية عامة تفرض نفسها على الإعلام والسياسة وصناع القرار.

ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: لماذا يستطيع المواطن الأوروبي أن يجعل صوته مسموعاً عندما يشعر بأن حقوقه أو ظروفه المعيشية تتراجع، بينما يبدو المواطن الليبي أكثر تردداً في تحويل معاناته اليومية إلى فعل جماعي منظم؟

الاحتجاج في أوروبا: ثقافة ومجال عام حي

للوهلة الأولى قد تبدو الإجابة مرتبطة بالأنظمة السياسية أو بمستوى الحريات، لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فالاحتجاج في أوروبا ليس مجرد حق قانوني تكفله الدساتير، بل هو جزء من ثقافة سياسية واجتماعية تشكلت عبر عقود طويلة. المواطن هناك نشأ وهو يرى النقابات تدافع عن العمال، والاتحادات الطلابية تضغط من أجل إصلاح التعليم، ومنظمات المجتمع المدني تتابع قضايا الناس. لذلك لا يشعر أن الشارع آخر الحلول، بل يراه أحد أدوات المشاركة الطبيعية في الحياة العامة.

لقد أشار الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس إلى أهمية “المجال العام” باعتباره المساحة التي يناقش فيها المواطنون قضاياهم ويؤثرون في السياسات العامة. وفي كثير من الدول الأوروبية ما زال هذا المجال العام حياً وقادراً على استيعاب الغضب وتحويله إلى نقاش وضغط ومطالب. ولهذا لا ينظر المواطن إلى نفسه بوصفه متلقياً للقرارات فقط، بل شريكاً في التأثير عليها.

أما في ليبيا، فالمشكلة لا تبدو مرتبطة بنقص الأسباب التي تدفع إلى الاحتجاج. فالمواطن الليبي يواجه تحديات يومية في مجالات الخدمات والتعليم والبنية التحتية والإدارة العامة. ومع ذلك لا تتطور هذه الأزمات غالباً إلى حركات اجتماعية مستمرة وقادرة على فرض أجندتها على المجال العام.

الواقع في ليبيا: أزمة ثقة وحلول فردية

في رأيي، يعود ذلك إلى أزمة أعمق من مجرد الأوضاع الاقتصادية أو السياسية، وهي أزمة ثقة. فالكثير من الليبيين لم يعودوا يسألون: “كيف نغير الواقع؟” بل أصبح السؤال الأكثر حضوراً: “هل سيتغير شيء أصلاً؟”. وعندما تتراجع الثقة في جدوى المشاركة، يتراجع معها الاستعداد للعمل الجماعي.

كما أن المجتمع الليبي، بحكم ظروفه التاريخية والسياسية، ما زال يعتمد في كثير من الأحيان على الحلول الفردية أو العلاقات الشخصية لمعالجة المشكلات العامة. وعندما تنقطع الكهرباء أو تتعثر خدمة أو تضعف مؤسسة، غالباً ما ينشغل الفرد بالبحث عن حل خاص به بدلاً من تحويل المشكلة إلى قضية عامة تتطلب ضغطاً مجتمعياً منظماً.

هذا لا يعني أن المجتمع الليبي غير مهتم بالشأن العام أو غير قادر على الاحتجاج، بل يعني أن ثقافة العمل الجماعي ما زالت بحاجة إلى مساحات أوسع للنمو. فالفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل كان يرى أن قوة الديمقراطيات لا تكمن في الحكومات فقط، بل في قدرة المواطنين على التنظيم والعمل المشترك عبر الجمعيات والنقابات والمؤسسات المدنية.

وربما يكون الدرس الأهم من المشهد الأوروبي اليوم أن الاحتجاج ليس هدفاً بحد ذاته، وليس دليلاً على فشل الدولة كما يعتقد البعض، بل قد يكون مؤشراً على حيوية المجتمع وقدرته على الدفاع عن مصالحه. فالمجتمع الذي يطالب بحقوقه بصورة سلمية ومنظمة لا يهدد الاستقرار، بل يساهم في تصحيحه.

نحو بناء ثقافة مشاركة وإحياء المجال العام

إن ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من الغضب، فالغضب موجود بالفعل. ما تحتاجه هو إعادة بناء الثقة بين المواطن والشأن العام، وإحياء المؤسسات المدنية والطلابية والمهنية القادرة على تحويل المطالب الفردية إلى مطالب جماعية. فالفارق الحقيقي بين مجتمع يُسمع صوته وآخر يخفت صوته ليس في حجم المشكلات التي يواجهها، بل في مدى إيمانه بأن صوته يمكن أن يصنع فرقاً.

وفي النهاية، لا تُقاس حيوية المجتمعات بعدد الاحتجاجات التي تشهدها، بل بقدرتها على تحويل أصوات مواطنيها إلى قوة تؤثر في القرار وتدفع نحو الإصلاح. وبين أوروبا التي تتعامل مع الاحتجاج بوصفه جزءاً من الحياة العامة، وليبيا التي ما زالت تبحث عن طريق أكثر فاعلية للتعبير عن مطالب مواطنيها، يبقى التحدي الحقيقي هو بناء ثقافة مشاركة تجعل المواطن يشعر بأن صوته مسموع، وأن مستقبله ليس خارج دائرة التأثير.

Related Posts
Leave a Reply

Your email address will not be published.Required fields are marked *