بقلم : معتز اللبيب
لماذا لا تكفي الانتخابات لبناء منظمات ناجحة؟
في كل عام، تولد منظمات ومبادرات عدة في ليبيا حاملةً الرغبة في إحداث التغيير، ورافعةً شعارات المشاركة والدعوة إلى الديمقراطية.
ويبدو للجميع أن المؤسسة قد وضعت قدمها الأولى على طريق التقدم والنجاح، ولكن بعد أشهر قليلة فقط تتكرر القصة ذاتها: الخلافات الداخلية، الانقسامات، جمود الأنشطة، أو الانهيار الكامل للمؤسسة؛ وهذه يمكن اعتبارها الأعراض الجانبية الأولى فقط.
عادةً ما يُفسَّر حدوث هذه الأعراض من جوانب عدة، ولكن هذه التفسيرات -رغم تضمّنها جزءًا من الحقيقة- لا تلامس الجوهر، وهو ما سنستعرضه هنا، ونطرح حوله السؤال :
هل المشكلة في الديمقراطية نفسها أم في الطريقة التي تُمارَس بها داخل المؤسسات؟
الديمقراطية والحوكمة: تكامل أم تناقض؟
تمنح الديمقراطيةُ المؤسسةَ شرعية القيادة (“الحكم”)، لكنها لا تبني نظامًا إداريًّا سليمًا، ولا توزع الصلاحيات واللوائح التنفيذية، ولا تمنع تضارب المصالح والاختصاصات، ولا تفعل المساءلة. وهنا نأتي للبحث عن المكمل:
الحوكمة.
ركزت برامج الأمم المتحدة (مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP) في كافة تقاريرها على الحوكمة؛ فهي ليست مفهومًا إداريًّا فحسب، بل هي المحدّد لآليات وصلاحيات العمل الداخلي وتوزيع المسؤوليات. وهذا لا يجعلها بديلًا عن الديمقراطية، بل هي ما يمهّد لولادة نظام ديمقراطي أكثر سلاسة.
وهنا يمكننا التمييز بين مفهومين يُخلَط بينهما دائمًا، فالديمقراطية تجيب عن سؤال: من يملك الحق في اتخاذ القرار؟ أما الحوكمة فتجيب عن أسئلة حاسمة مثل ، كيف يُتَّخذ القرار؟ ومن يراقبه؟ ومن يُحاسَب؟ وما حدود السلطة؟
وعندما لا تجيب المؤسسة عن هذه الأسئلة، تدخل في حالة من الانقسام المؤسسي بين من يسأل ومن لا يسأل، ومن يجيب ومن لا يجيب.
وحدوث هذه الحالة لا يعني الغياب التام للنظام؛ فهناك مؤسسات تمتلك نظامًا أساسيًّا كاملاً وهيكلاً تنظيميًّا وانتخابات دورية، ولكنها تفشل في تنظيم آلية العمل والجوهر الأساسي للمبادرات والمنظمات.
واقع المنظمات الشبابية في ليبيا
ومن خلال متابعة واقع عدد من المنظمات الشبابية في ليبيا، يمكن ملاحظة ضعف التصميم المؤسسي؛ فكثير من المنظمات تبدأ بتأسيس مجلس الإدارة وانتخاب الرئيس واعتماد النظام الأساسي، لكنها لا تحدد العلاقة بين السلطات، ومع تداخل الصلاحيات وتكرار التدخلات يضيع عنصر المسؤولية بين الجميع.
فتصبح المؤسسة رهينة لمؤسسيها فقط، ولا تستطيع الانضمام إلى عجلة النمو الكامل للمؤسسة.
في الأساس، لا تُقاس المؤسسات القوية بقدرة الرئيس على الإدارة أو إدارة الأزمات،بل بقدرة نظامها المؤسسي على منع هذه الأزمات أو التقليل منها أو قراءتها قبل وقوعها.
إن الديمقراطية بلا حوكمة تشبه سفينة اختار ركابها القبطان بطريقة ديمقراطية، ولكنهم لم يضعوا خريطة للإبحار ولا قواعد لتوزيع المسؤوليات أو اتخاذ القرارات.
هنا لا تكمن المشكلة في اختيار القبطان، بل في نظام تنظيم الرحلة الذي يحدد أساسًا طريقة الوصول إلى الهدف.
نحو بناء مؤسسات
لذا يجب على المؤسسات الشبابية -بدلاً من الاقتصار على طموح الانتخابات الأولى- أن تعرف كيف تبني مؤسسة تستطيع الاستمرار مهما تغيرت قياداتها.
فلا تُقاس المؤسسة بعدد الأعضاء، ولا بعدد الاجتماعات التي تعقدها، ولا بعدد الانتخابات التي تنظمها، بل بقدرتها على تحويل المبادئ إلى أنظمة والأفراد إلى فرق عمل.
فالديمقراطية ليست نقطة النهاية، بل هي قيمة لا تنمو إلا عندما تجد بيئة مؤسسية تحميها. وإذا كانت الديمقراطية هي الغاية، فإن الحوكمة هي الوسيلة إليها؛ فالطريق الذي يخلو من القواعد لا يقود إلى الديمقراطية، بل إلى الفوضى والانقسام المؤسسي.
المراجع
UNDP (1997) – Governance for Sustainable Human Development (مبادئ الحوكمة).
UNDP Libya – Civil Society Mapping Report (2023) (واقع منظمات المجتمع المدني الليبية والتحديات المؤسسية).


