الأمطار نعمة.. فمن حوّلها إلى أزمة؟

الأمطار نعمة.. فمن حوّلها إلى أزمة؟

بقلم : احمد حسين على

باحث في العلوم السياسية

لا أحد يختلف على أن مشاهد غرق الشوارع وتعطّل حركة المواطنين مع هطول الأمطار مشاهد مؤلمة، ولا أحد ينكر حق المواطن الليبي في بنية تحتية سليمة ومدينة آمنة.

 لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل المشكلة في غياب الحديث عن الأزمة، أم في غياب الحلول الجذرية التي تنهيها؟ فليبيا لا تحتاج إلى تشخيص الأزمة من جديد، فالجميع يعرفها ويراها بعينه مع أول موجة مطر؛ إنما تحتاج إلى حلول حقيقية على أرض الواقع.

لقد اعتاد الليبيون أن يتابعوا مقاطع الشوارع الغارقة كل شتاء، وأن يتبادلوا صور السيارات العالقة ومقاطع الإنقاذ، ثم تهدأ الأخبار بمجرد توقف المطر، وكأن الأزمة انتهت بانتهاء الموسم. غير أن الحقيقة أن الأزمة لم تنتهِ أبدًا، بل تنتظر موعدها القادم مع أول سحابة، ما دامت أسبابها قائمة دون علاج.

نعمة تتحول إلى قلق

من غير المقبول أن تتحول الأمطار، التي تُعد نعمة من نعم الله، إلى مصدر خوف وقلق للمواطن، وأن تصبح الشوارع المغمورة بالمياه والسيارات العالقة مشاهد تتكرر كل عام، وكأننا لم نتعلم من الأزمات السابقة.

 فالأسرة التي تخشى على بيتها وأبنائها كلما اسودّت السماء، والموظف الذي يعجز عن الوصول إلى عمله، وصاحب المتجر الذي يرى بضاعته تتلف، كلهم يدفعون ثمن تقصير لا ذنب لهم فيه، وتتحول حياتهم اليومية إلى معاناة طويلة من الازدحام وتعطّل الدراسة والعمل وخسائر الممتلكات.

والمشكلة أكبر من مجرد أمطار غزيرة؛ إنها مشكلة تخطيط وصيانة ومتابعة ومحاسبة.

بين من يستعد ومن يكتفي بالمواجهة

نعم، قد تتجاوز كمية الأمطار أحيانًا قدرة شبكات التصريف، وهذا أمر وارد في مختلف دول العالم، حتى المتقدمة منها. لكن الفرق بين الدول التي تستعد للأزمات والدول التي تكتفي بمواجهتها بعد وقوعها هو وجود خطط واضحة، وبنية تحتية قادرة على الاستيعاب، واستجابة سريعة، ومحاسبة حقيقية للمقصرين.

الدولة المستعدة تفحص مجاري التصريف قبل الموسم لا بعده، وتنظف المصبات وتفتح المنافذ المسدودة، وتجهّز فرق الطوارئ والمعدات قبل أن تمتلئ الشوارع بالمياه. أما حين يبدأ العمل بعد وقوع الكارثة، فإننا لا نعالج المشكلة، بل نرقّع آثارها إلى حين عودة المطر. والتجارب في العالم تثبت أن كلفة الوقاية أقل بكثير من كلفة الإصلاح بعد الكارثة، سواء في الأموال أو في الأرواح والممتلكات وثقة الناس.

ما يريده المواطن

إن المواطن لا يريد بيانات وتصريحات تتكرر مع كل أزمة، بل يريد أن يرى أعمالًا ملموسة: صيانة شبكات تصريف مياه الأمطار، وتطوير الطرق، ومعالجة النقاط التي تتجمع فيها المياه، ومراجعة مشاريع البنية التحتية، ومتابعة تنفيذها وفق معايير فنية واضحة.

فالتصريح لا يصرّف المياه، والوعد لا يفتح مجرى مسدودًا، والاعتذار لا يعوّض متضررًا فقد سيارته أو أثاث بيته. وما يعيد الثقة بين المواطن والجهات المسؤولة هو العمل الذي يُرى ويُقاس، والمشروع الذي يُنجز في موعده وبالجودة المطلوبة، لا الذي يُعلن عنه ثم يُنسى مع أول موسم مطر.

مسؤولية مشتركة وشفافية مطلوبة

كما أن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة فقط، بل تتطلب تنسيقًا جادًا بين البلديات والجهات التنفيذية والرقابية، مع تحديد المسؤوليات بوضوح. فحين تتداخل الاختصاصات وتغيب الحدود الفاصلة بينها، يضيع المقصّر بين الجميع ويبقى المواطن وحده في مواجهة المياه.

ولذلك لا بد من نشر نتائج الأعمال والمشاريع أمام المواطنين، حتى يعرف الجميع ما أُنجز وما تعثّر وأسباب ذلك؛ فالشفافية أول خطوات المحاسبة، وأقصر طرق استعادة الثقة.

خطوات عملية لا تحتاج إلى معجزات

تتمثل أبرز الحلول العملية وغير المعقدة التي تتطلب إرادة وجدية في التنفيذ في إعلان خطة سنوية قبل بداية الموسم تتضمن المواقع المستهدفة بالصيانة والجهات المسؤولة عنها مع تحديد مواعيد الإنجاز، إضافة إلى تخصيص ميزانية ثابتة للصيانة الدورية لشبكات تصريف مياه الأمطار بدلاً من الاكتفاء بمعالجات الطوارئ. كما يستوجب الأمر إجراء مراجعة فنية مستقلة للمشاريع المنفذة للتأكد من مطابقتها للمعايير وقدرتها على استيعاب الأمطار، مع إتاحة قناة سهلة تمكّن المواطنين من الإبلاغ عن النقاط المتضررة ومتابعة بلاغاتهم والرد عليها بشكل علني.

هذه الخطوات لا تُنهي كل المشكلات في يوم وليلة، لكنها تضع الأساس لانتقال حقيقي من ردّ الفعل إلى التخطيط، ومن الوعود إلى النتائج.

أسئلة مشروعة

تتجلى هذه الأسئلة المشروعة في التساؤل عن مدى وجود خطط استباقية لمواجهة موسم الأمطار، ومصير مشاريع الصيانة والتطوير في المناطق المتضررة. كما نطرح تساؤلات جادة حول تحديد المسؤولين عن أوجه القصور وآلية محاسبتهم، متسائلين عن الأسباب التي تحول دون تخصيص ميزانيات وخطط معلنة لمعالجة المشاكل المتكررة بأسلوب وقائي بدلاً من الانتظار السلبي لوقوع الأزمات.

إن انتقاد الأوضاع ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة للمطالبة بالإصلاح. كما أن تحميل المسؤولية يجب أن يستند إلى الحقائق، لا إلى الاتهامات العشوائية، لأن المطلوب هو الوصول إلى حلول عادلة ومستدامة.

وفي النهاية، ليبيا ليست مجرد شوارع ومبانٍ، بل هي دولة يسكنها مواطنون لهم الحق في الأمن والكرامة والخدمات الأساسية. وهذا الحق لا ينبغي أن يرتبط بموسم أو تصريح أو حملة مؤقتة.

نحن لا نبحث عن شماعة نعلّق عليها الأخطاء، ولا نريد أن تتكرر المشاهد نفسها عامًا بعد عام؛ نريد عملًا جادًا، وخططًا قابلة للتنفيذ، ومحاسبة شفافة، ونتائج يلمسها المواطن بنفسه.

وإذا كان الغضب مفهومًا، فإن توجيهه نحو المطالبة المسؤولة بالإصلاح هو ما يصنع الفرق. فالمواطن شريك في المتابعة، والإعلام شريك في كشف الحقائق، والمسؤول شريك في الاستجابة والمحاسبة. وحين يؤدي كلٌّ دوره بصدق، لن يكون موسم الأمطار موسم خوف، بل سيعود كما أراده الله: خيرًا وبركة.

Related Posts
Leave a Reply

Your email address will not be published.Required fields are marked *