هل يعكس الموقف المصري من الاتفاقية التركية-الليبية تحولًا في التحالفات؟

هل يعكس الموقف المصري من الاتفاقية التركية-الليبية تحولًا في التحالفات؟

بقلم : أحمد انبية دواس

باحث في الدراسات الدبلوماسية

في 20 أكتوبر 2026، صادق مجلس النواب الليبي في طبرق على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة عام 2019 بين حكومة طرابلس وتركيا، بعد أن كان قد رفضها في العام 2020.

وضع هذا التطور مصر أمام معادلة دقيقة: كيف ترفض اتفاقًا بحريًا يمس حقوقها السيادية، في وقت تتقارب فيه دبلوماسيًا مع حكومة طرابلس، وتشهد علاقاتها مع تركيا تقاربًا واضحًا؟

 

الخلاصة الأساسية أن الموقف المصري لا يعكس تحولًا في التحالفات الاستراتيجية، بل يعكس تحولًا تكتيكيًا في إدارة العلاقات، مع تمسك صارم بالثوابت القانونية والاستراتيجية. فالقاهرة لم تتخلَّ عن تحالفها البحري مع اليونان وقبرص، لكنها لم تعد تدير علاقاتها مع تركيا وطرابلس بمنطق “الجبهة الواحدة” كما كان الحال سابقًا.

 

 الثابت القانوني

استند الرفض المصري إلى حجة قانونية واضحة، إذ اعتبرت وزارة الخارجية المذكرة “باطلة بطلانًا مطلقًا ومعدومة الأثر القانوني”، وأن تصديق البرلمان الليبي عليها لا يرتب آثارًا قانونية بالنسبة لمصر. ويقوم الموقف على أن الاتفاقية تخالف اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وتتجاهل مبادئ العدالة والإنصاف في ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وتشكل مساسًا بالحقوق السيادية المصرية. كما أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان عام 2020 كانت ردًا عمليًا على المذكرة التركية–الليبية، ما يجعل أي اعتراف بها نسفًا لبنية التحالف البحري في شرق المتوسط.

 

التقارب مع طرابلس

انفتاح القاهرة على حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، ومنه استقبال الرئيس السيسي لرئيس الحكومة في العلمين يوليو 2026، لا يعني تغيير الولاء من شرق ليبيا إلى غربها، بل هو محاولة لاحتواء النفوذ التركي عبر الانخراط المباشر مع حكومة طرابلس، بدل الاكتفاء بدعم طرف واحد في شرق ليبيا، خصوصًا أن السلطات في شرق ليبيا بدأت هي نفسها تتقارب مع أنقرة. والمنطق المصري هنا أن وجود قناة مفتوحة مع طرابلس يمنح القاهرة نفوذًا في أي ترتيبات سياسية أو أمنية قادمة، ويقلل فرص فرض اتفاقيات بحرية بأمر واقع.

 

مستويات التحالفات

التحالف البحري التقليدي مع اليونان وقبرص لم يتزعزع، بل إن بيان الرفض المصري كان دعمًا علنيًا لليونان، واستمر التنسيق السياسي بما في ذلك التحضير للقمة الثلاثية مع قبرص. أما العلاقة مع تركيا فقد انتقلت من “العداء الاستراتيجي” إلى “إدارة الخلافات”: تقارب منذ 2024، وزيارات متبادلة، ومذكرات تفاهم اقتصادية ودفاعية، لكن دون إلغاء الخلاف البحري. فمصر تفصل بين التعاون القابل للتوسع في التجارة والدفاع والتنسيق الإقليمي، وبين التنازلات السيادية في الحدود البحرية. وفي شرق ليبيا، لم يعد التحالف “حصريًا”؛ فقد برز فتور في العلاقة، بسبب اتهامات باستخدام أراضي شرق ليبيا لدعم قوات الدعم السريع في السودان، والأهم انفتاح القيادات المؤسسية في شرق ليبيا على تركيا. وفي ديسمبر 2025 وقعت مصر وشرق ليبيا اتفاقًا لبدء ترسيم حدودهما البحرية، لكن في أكتوبر 2026 صادق البرلمان الليبي في طبرق على مذكرة التفاهم مع تركيا، ما يظهر أن مصر لم تعد قادرة على الاعتماد على ورقة شرق ليبيا وحدها لكبح النفوذ التركي.

 

الموقف المصري يعكس تحولًا في إدارة التحالفات لا في البوصلة الاستراتيجية. فالقاهرة ما زالت متمسكة بحماية حدودها البحرية، والحفاظ على تحالفها مع اليونان وقبرص كضمانة قانونية وسياسية، ومنع أي أمر واقع بحري يفرض عليها. لكنها أدركت أن الانخراط البراغماتي مع تركيا وطرابلس قد يكون أكثر فاعلية من “الجبهة الواحدة”.

والدرس لشباب ليبيا أن السياسة الخارجية ليست دائمًا “تبديل تحالفات”، بل فن إدارة التناقضات: رفض الاتفاقية البحرية مع تركيا، والتعاون معها اقتصاديًا وعسكريًا؛ ودعم شرق ليبيا تاريخيًا، وفتح أبواب طرابلس. وهذا ليس تناقضًا بقدر ما هو تعقيد المشهد الليبي والشرق متوسطي، حيث تتشابك المصالح القانونية والاقتصادية والأمنية.

Related Posts
Leave a Reply

Your email address will not be published.Required fields are marked *