النفط في ليبيا : هل هو نعمة أم نقمة؟

النفط في ليبيا : هل هو نعمة أم نقمة؟

بقلم : أ.عبدالله خالد الشلوي

باحث اقتصادي وعضو بمنتدى حوار الشباب

ساد الاعتقاد لسنوات طويلة بأن التدفقات النفطية ستسلك بليبيا طريق الازدهار والتنمية الشاملة. غير أن الواقع العملي أثبت أن تصدير النفط بحد ذاته لا يحول الدول إلى اقتصادات مزدهرة؛ بل على العكس، أصبحت ليبيا نموذجاً حياً لما يُعرف بـ “مفارقة الوفرة” أو “لعنة الموارد”، حيث أصبحت الدولة أشد عرضة للأزمات الاقتصادية.

تؤكد الأدبيات الاقتصادية أن الدول الغنية بالموارد الطبيعية غالباً ما تسجل أداءً اقتصادياً أضعف مقارنة بتلك التي تفتقر إليها، ما لم تتوفر مؤسسات قوية وإدارة رشيدة.

وكما قال الأديب الإسباني Miguel De Sarvantes  في كتابه Don Quixote de la Mancha “إن الاستفادة من الثروة لا تأتي من مجرد امتلاكها أو الإسراف في إنفاقها، ولكن في طريقة استعمالها.”

أزمة الاقتصاد الليبي

يعاني الاقتصاد الليبي من نموذج الدولة الريعية، حيث ترتبط الدورة الاقتصادية بأكملها بأسعار النفط العالمية.

ففي فترات انتعاش الأسعار ترتفع الإيرادات العامة، فتتوسع الدولة في الإنفاق الاستهلاكي وتضخيم الباب الأول (المرتبات) والدعم، دون التوجه نحو استثمارات حقيقية.

أما في فترات هبوط الأسعار أو إغلاق الموانئ يواجه الاقتصاد عجزاً مزدوجاً في الموازنة العامة وميزان المدفوعات، وتبدأ سلسلة من الأزمات المالية والنقدية.

وتُعزى هذه الظاهرة إلى تفسيرين أساسيين، تفسير اقتصادي أو ما يُعرف بـ “المرض الهولندي” (Dutch Disease) وتفسير سياسي/مؤسسي يُعرف بـ “النظرية المؤسسية”، حيث يغلب الصراع على توزيع الريع بدلاً من إنتاجه.

ما المقصود بالمرض الهولندي؟

لقد سمي بهذا الاسم في مقال نشر بمجلة “The economist” البريطانية عام 1977، وقد استخدم في الأصل لوصف الأضرار الاقتصادية التي لحقت بهولندا على إثر اكتشاف حقل “غرونينغن” الكبير للغاز الطبيعي في بحر الشمال عام 1959، وطفرة الموارد التي حصلت بين الستينات والثمانينات، وجلبت موارد ضخمة لهذا البلد ودعمت نمو الإنفاق العام فيه، كما سببت ارتفاعاً حقيقياً في سعر صرف العملة الهولندية بفعل الطلب المتزايد على الغاز الهولندي، ونتيجة لهذا الارتفاع تراجعت القدرة التنافسية للصادرات من السلع الأخرى، وعلى هذا يمكن تعريف المرض الهولندي اقتصادياً على أنه: “مفهوم يوضح العلاقة الظاهرة بين اكتشاف الموارد الطبيعية وانخفاض الإنتاج بالقطاع الصناعي والزراعي” مثل ما نراه في الاقتصاد الليبي.

أبعاد وآثار “المرض الهولندي” على الاقتصاد الليبي

تُعد ليبيا حالة نموذجية وتطبيقية لظاهرة المرض الهولندي، حيث أدى الاعتماد شبه الكلي على صادرات النفط (التي تُشكل أكثر من 95% من دخل الصادرات والإيرادات العامة) إلى تشويه هيكل الاقتصاد الوطني وتعميق أزماته الممتدة.

ويظهر ذلك جلياً في الإنفاق الاستهلاكي وتفشي الفساد، مما يؤدّي إلى هدر الموارد عبر توجيه عوائد النفط إلى المرتبات ودعم الوقود والسلع بدلاً من القطاعات الإنتاجية (زراعة، صناعة، خدمات).

كما يؤدّي إلى ضمور القطاع الخاص عبر تراجع تنافسيته لصالح توظيف حكومي متضخم وغير منتج، أما الصراع على مؤسسات إدارة المال العام (المصرف المركزي ومؤسسة النفط) عزز أساليب الصراع والسيطرة السلطوية وتغذية الفساد.

علاوة على ما سبق، يتجلى أحد أبعاد هذه الأزمة في الصراع الداخلي والنزاعات المسلحة، حيث تبرز ظاهرة تسييس النفط من خلال تحول المنشآت النفطية إلى ورقة ضغط سياسي ومصدر تمويل رئيسي للجماعات المتصارعة، وهو ما أدى بدوره إلى إغلاقات متكررة تسببت في شلل اقتصادي تام. كما ساهم هذا الوضع في استقطاب الشباب، إذ سهّل التدفق الريعي المستمر عملية تجنيدهم في صفوف الجماعات المسلحة بدلاً من توجيه طاقاتهم نحو سوق العمل الإنتاجي.

ويقود هذا الاضطراب المؤسسي إلى انكشاف اقتصادي وتضخم حاد، حيث تعتمد الدولة بشكل مفرط على التوريد لسد أكثر من 85% من احتياجاتها الأساسية نتيجة شلل الإنتاج المحلي. ويؤدي هذا الارتهان للخارج إلى استيراد التضخم وتدهور قيمة الدينار، نظراً للتأثر الفوري بتقلبات الأسعار العالمية، واللجوء لطباعة النقود أو تخفيض قيمة العملة عند انخفاض عوائد النفط، مما يضعف القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة التضخم.

 

استغلال الفرص الواعدة والقطاعات البديلة

رغم التحديات المؤسسية، تمتلك ليبيا مقومات إستراتيجية تُمكنها من تحقيق طفرة اقتصادية إذا ما استُغلت علمياً:

وفي إطار استغلال الفرص، تبرز أهمية الموقع الجغرافي واستراتيجية تجارة الترانزيت، حيث يؤهل الشريط الساحلي الطويل لليبيا وموقعها المتوسط بين أفريقيا وأوروبا للتحول إلى مركز لوجستي عالمي عبر تطوير الموانئ الرئيسية كمصراتة وبنغازي وطبرق.

و بالموازاة مع ذلك، يمثل قطاع الطاقة المتجددة والخضراء فرصة استثنائية لإنتاج وتصدير الطاقة الشمسية، مستفيدة من أعلى معدلات السطوع في العالم لتنويع مصادر الدخل.

كما يعد قطاع إعادة الإعمار والتطوير العقاري محركاً رئيسياً لتنشيط الاقتصاد من خلال تلبية الطلب الضخم على مشاريع البنية التحتية، مدعوماً بنمو الصناعات التحويلية ومواد البناء التي تستفيد من الخامات الطبيعية الغنية كالرمال السيليكية والرخام.

يضاف إلى ذلك قطاع السياحة الواعد الذي يجمع بين المقومات الثقافية والأثرية والصحراوية، وصولاً إلى الدور المحوري لصندوق الثروة السيادية (LIA) الذي يمكن إعادة هيكلة أصوله الضخمة في الخارج لتأمين تمويل مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى داخل البلاد.

خارطة الطريق للتنفيذ

إن تحرير الاقتصاد الليبي من سطوة النفط وخطر “المرض الهولندي” ليس أمراً مستحيلاً، ولكنه يرتهن بشكل فوري بوجود إرادة سياسية حازمة تتخلى عن ثقافة “الغنيمة” وتتبنى نهجاً إصلاحياً شاملاً.

يتطلب هذا المسار إعادة هيكلة الاقتصاد عبر تقليص حجم القطاع العام وفسح المجال أمام القطاع الخاص، بالإضافة إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية ومؤسسية جذرية تشمل محاربة الفساد وتطوير البيئة التشريعية، إلى جانب إقرار برنامج إصلاح مالي يهدف إلى ضبط الإنفاق الاستهلاكي وإصلاح سياسات الدعم؛ فبدون تنفيذ هذه الخطوات الجوهرية، سيظل الاقتصاد الليبي عرضةً لتآكل البنية التحتية وتبديد ثروات الأجيال القادمة.

المصادر

رسالة الماجستير: تحليل أثر المرض الهولندي على هيكل الاقتصاد الليبي

https://www.researchgate.net/publication/395464643_thlyl_athr_almrd_alhwlndy_ly_hykl_alaqtsad_allyby_drast_thlylyt_qyasyt_khlal_alftrt_1970-2020

Related Posts
Leave a Reply

Your email address will not be published.Required fields are marked *