السلام في ليبيا : لماذا يجب أن يكون الشباب سببًا في صناعة السلام ؟ 

السلام في ليبيا : لماذا يجب أن يكون الشباب سببًا في صناعة السلام ؟ 

إعداد : هبة الحاجي

إننا اليوم في ليبيا نبحث عن صناعة السلام، ونعتقد أن السلام سيكون وليد الاتفاقيات والتفاهمات الدولية، وكأن صناعة السلام تقتصر على النخب السياسية والفاعلين الخارجيين فقط ، دون أن نلتفت إلى أن السلام الحقيقي قد يولد من داخل الجيل الجديد نفسه ، جيلًا يرفض إعادة إنتاج الصراعات، ويؤمن بالحوار والتفاهم وقوة الكلمة بدلًا من الانقسام والعنف.

جيلًا وُلد من رحم المعاناة والحروب والانقسامات، وكان الأكثر تأثرًا وضررًا من نتائجها على المستويات النفسية والاجتماعية والسياسية.

ورغم أن “فاقد الشيء لا يعطيه”، إلا أن الشباب الليبي اليوم يثبتون العكس، فهم من أكثر الفئات سعيًا نحو صناعة السلام، والأكثر قدرة على تغيير المستقبل وإعادة رسمه بصورة مختلفة.

لكن تحقيق ذلك يبقى مرهونًا بمنحهم المساحة الحقيقية لإظهار قدراتهم، وإشراكهم في صناعة القرار، وترك المجال لهم ليقوموا بدورهم الحقيقي في بناء ليبيا أكثر استقرارًا وسلامًا.

مفهوم السلام الشامل ودور الشباب الواعي
ومن هنا، يمكننا توضيح مفهوم السلام أولًا؛ إذ إن السلام لا يعني فقط غياب الحروب أو النزاعات، وإنما هو حالة أوسع تشمل وجود العدالة والأمن والاستقرار السياسي والاجتماعي، وضمان حقوق الإنسان، وتوفير بيئة تدعم التنمية والمشاركة الفعالة في المجتمع.

كما أن السلام الحقيقي عملية مستمرة تهدف إلى معالجة جذور الصراع ومنع عودته، وذلك من خلال تعزيز الثقة وبناء جسور التواصل بين كافة المكونات والمؤسسات وتحقيق العدالة الاجتماعية.

وفي هذا السياق، يبرز دور “الشباب”؛ فرغم أن هذا الجيل نشأ في بيئة تفتقر للاستقرار والسلام، إلا أنه أصبح أكثر إدراكًا ووعيًا بقيمتهما. وقد أثبتت الدراسات في مجال السلام والصراع أن الشباب الذين نشؤوا في بيئات النزاع يكونون أكثر إدراكًا لتكلفة الحروب والانقسامات على حياتهم ومستقبلهم، الأمر الذي قد يدفعهم إلى البحث عن حلول أكثر سلمية واستدامة مقارنة بالأجيال المرتبطة بتاريخ الصراع ذاته.

إن الأجيال الشابة غالبًا ما تمتلك قدرة أكبر على دعم المصالحة والتغيير المجتمعي، خاصة عندما يتم إشراكها في الحياة السياسية والمجتمعية بصورة حقيقية.

كما تؤكد أدبيات “الشباب وبناء السلام” أن تهميش الشباب من عمليات صنع القرار يؤدي إلى إهدار دورهم كقوة قادرة على تحقيق الاستقرار والتغيير الإيجابي.

جيل ما بعد 2011: بيئة النشأة وأثرها

ومن هنا يمكن طرح سؤال: لماذا يختلف جيل ما بعد 2011 عن الأجيال التي سبقته؟

بدايةً، يعود الاختلاف أساسًا إلى نشأة هذا الجيل وتشكل وعيه في بيئة اتسمت بالحروب والنزاعات، مما أثر في تكوينه النفسي والاجتماعي. ومن الأمور التي لا يمكن إنكارها أن الانقسام الذي شهدته ليبيا في السنوات الأخيرة ساهم في توسيع الفجوة داخل المجتمع، وأثر في تشكيل الوعي والأفكار لدى هذا الجيل.

بالإضافة إلى ذلك، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا في إعادة تشكيل الأفكار وتوسيع المصادر المعرفية، مما أثر في تكوين التوجهات وانتزاع الطابع التقليدي المنغلق، إلى جانب الانفتاح العالمي والتداخل الثقافي الذي أصبح مهيمنًا على حياة الشباب. ورغم كل التحديات التي واجهت هذا الجيل، إلا أنه يتميز عن غيره بكونه أكثر انفتاحًا على الحوار وتقبلًا له، وأكثر ميلًا للبحث عن سبل الاستقرار وتكوين دولة مستقلة بعيدًا عن تداعيات الانقسامات التي أثقلت كاهل المدن الليبية بالصراعات والحروب الأهلية لسنوات طويلة.

الشباب وتجاوز الصراعات القديمة

وبناءً على ما سبق، نطرح سؤالًا: لماذا يعد الشباب أكثر قدرة على تجاوز الصراعات القديمة؟

يُعتبر الشباب أقل ارتباطًا بالصراعات القديمة لأنهم لم يكونوا جزءًا من تشكيل الانقسامات السياسية والتاريخية، كما أنهم أقل تمسكًا بالمصالح التقليدية والتحالفات التي كرست حالة الانقسام.

في المقابل، يتميز الشباب بقدرة أكبر على تقبل الاختلاف والتغيير، وبالانفتاح على الحوار والتكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة، ما يجعلهم أكثر استعدادًا لتجاوز الخطابات التقليدية وبناء مساحات مستقلة وحرة ومشتركة للتفاهم بدلًا من إعادة إنتاج الصراعات.

كذلك ترى دراسات في مجال السلام والصراع أن الشباب الذين نشأوا في بيئات النزاع يكونون أكثر إدراكًا لتكلفة الحروب والانقسامات على حياتهم ومستقبلهم، الأمر الذي قد يدفعهم إلى البحث عن حلول أكثر سلمية واستدامة مقارنة بالأجيال المرتبطة بتاريخ الصراع ذاته.

ويمكننا رؤية تجارب واقعية، مثل “فزعة فاجعة درنة”، التي عكست تلاحم الليبيين وتكاتفهم من مختلف المناطق، وكان جلهم من الشباب الذين اندفعوا بدافع الحس بالمسؤولية والإنسانية لدعم إخوتهم في تلك الفاجعة.

كذلك نرى تنافس الشباب في المجتمع المدني من خلال المبادرات وبناء الروابط الثقافية وخلق مساحات مشتركة للحوار، وهو أبرز مثال لمحاولات تحويل الوعي الشبابي إلى قاعدة يمكن أن يُبنى عليها مستقبل واعد.

ختامًا، يمكن القول إن الأجدر بصناعة السلام هم أولئك الذين يسعون إليه رغم التحديات والضغوطات؛ فنحن الشباب قد لا نكون قد عشنا السلام يومًا، ولكننا نصر على أن نكون من يصنعه.

المصادر التي تم الاستعانة بها :

● The Country Is on One Leg”: An Analysis of Secondary Educated Youths’ Perceptions of the Risks, Challenges, and Opportunities of the Peacebuilding Process in Côte d’Ivoire
Published online by Cambridge University Press: 29 May 2023

● UN Youth, peace and security: a guide
The agenda stems from the landmark UN Security Council Resolution 2250, adopted in 2015, which

Related Posts
Leave a Reply

Your email address will not be published.Required fields are marked *