خلف الشاشة: هل نحن من نصنع صورتنا أم الخوارزميات تقرر عنا؟

خلف الشاشة: هل نحن من نصنع صورتنا أم الخوارزميات تقرر عنا؟

بقلم : فراس أبو خزام

في عالمنا المعاصر، لم يعد الحضور مقتصرًا على الواقع الملموس، فقد ولّى العهد الذي كان فيه تقييم الفرد يعتمد حصراً على معارفه أو الانطباعات المسبقة عنه.

لقد انتقلنا إلى “الواقع الرقمي”، وهي مساحة تمنحنا القدرة على بلورة هوياتنا وترك أثر ملموس. لكن التحدي الحقيقي يكمن في إدراك أن القيمة لا تكمن في مجرد صورة بـ “سترة جميلة” و إضاءة براقة، بل في المحتوى والرسالة التي تشكل جوهر تواجدك وتضيء عتمة التشتت الرقمي.

وهنا يبرز تساؤل جوهري: كيف تحدد المنصات هويتنا الرقمية؟ هل نمتلك زمام السيطرة على ما ننشر، أم أن منصات التواصل هي التي ترسم ملامح صورتنا وتقرر من نكون؟

 

خداع الترند واقتصاد الانتباه

عند تأمل واقع الشباب اليوم، نلحظ ظاهرة “الاستهلاك الرقمي”، إذ ينجرف الكثيرون خلف “الترند” مضحين بهويتهم الأصيلة من أجل أضواء مزيفة.

نحن هنا أمام فخ “اقتصاد الانتباه” (Attention Economy) – وهو مصطلح صاغه عالم النفس هربرت سيمون – حيث تؤدي وفرة المعلومات إلى ندرة الانتباه، مما يدفع المنصات للتسابق لاستنزاف وقتنا عبر خوارزميات صُممت لإبقائنا في حلقة لا تنتهي من التصفح (Scrolling).

وهذا يقودنا لاستحضار تجربتي الأكاديمية في جامعة طرابلس. خلال دراستي في كلية الإعلام، استوقفتني مقولة للدكتور رمزي أبو كتيف في مادة “الصورة الذهنية” حين سألني: “هل صورتك الذهنية هي ما أنت عليه الآن أمامي، أم ما تطمح لتكون عليه؟”.

لم أستوعب المقصد حينها، لكن بعد التجارب والبحث، أدركت أن الصورة الذهنية ليست ما نراه في المرآة، بل هي البصمة التي نتركها في عقول الآخرين؛ فهل نزرع اليوم ما نطمح أن نحصده غداً؟

 

المنصات الرقمية: سلاح ذو حدين

نحن نمتلك سلاحاً ذا حدين؛ فإذا لم نُحسن توظيف هذه المنصات، ستُستخدم ضدنا، لنسير وفق أهواء الخوارزميات التي تفرض محتوىً استهلاكياً سطحياً.

لكن كسر هذه الحلقة ممكن، ولدينا نماذج ليبية ملهمة، مثل “محمد السليني – رحاليستا”، الذي استثمر هذه الأدوات لتقديم محتوى نوعي يبني الثقة ويحمل قيمة مضافة، بدلاً من الركض خلف “اللايكات” الزائفة.

 

من الاستهلاك إلى الاستثمار

من خلال انخراطي في “منتدى حوار الشباب”، اكتشفت الحقيقة الكبرى: هذه المنصات ليست مجرد وسيلة للتسلية، بل هي أدوات استثمارية لبناء “العلامة الشخصية” (Personal Branding).

لقد أثبتت الدراسات أن 70% من أصحاب العمل يتفحصون الحسابات الرقمية للمتقدمين قبل توظيفهم، وفقاً لاستطلاع (CareerBuilder)، مما يعني أن هويتك الرقمية باتت سيرتك الذاتية الحقيقية.

إن المؤسسات اليوم لا تبحث عن “مستهلكين”، بل عن “مستثمرين” في ذواتهم وفي قضايا مجتمعهم. ومن هنا، يتحول الشاب من مجرد رقم في قاعدة بيانات المنصات إلى “قائد رأي” قادر على توظيف التكنولوجيا لإيصال صوت الشباب الطموح.

خاتمة

إن تواجدنا في هذه “الفقاعة الرقمية” أمانة ومسؤولية؛ فنحن لسنا مجرد أرقام، بل طاقة قادرة على توجيه هذه المنصات لخدمة قضايانا الوطنية والإنسانية. اصنع محتوىً هادفاً، واترك أثراً يُذكر؛ فالعالم لا ينتظر من يستهلك، بل يحتفي بمن يستثمر ويؤثر.

المصادر :
1- موقع الأمم المتحدة : ورقة تحليلية حول اقتصاد الانتباه وتأثيره على السلوك البشري عبر موقع الأمم المتحدة – Attention Economy Report
https://www.un.org/sites/un2.un.org/files/attention_economy_feb.pdf
2- استطلاع مؤسسة (CareerBuilder) حول فحص الحسابات الرقمية للمتقدمين للوظائف
https://www.prnewswire.com/news-releases/number-of-employers-using-social-media-to-screen-candidates-at-all-time-high-finds-latest-careerbuilder-study-300474228.html
3- The Second Wave of Attention Economics. Attention as a Universal Symbolic Currency on Social Media and beyond
https://academic.oup.com/iwc/article/37/1/18/7733851

Related Posts