المجتمع الليبي بين الوضع الاقتصادي وتغير المناخ: قراءة من الواقع

المجتمع الليبي بين الوضع الاقتصادي وتغير المناخ: قراءة من الواقع

بقلم : حلمي الزيتوني

عضو مؤسس في منتدى حوار الشباب

يعيش المجتمع الليبي مرحلة تحولات مناخية معقدة، تتداخل فيها التراكمات التاريخية مع الأزمات المعاصرة، لتشكل واقعاً اجتماعياً واقتصادياً يضع قدرة السكان على التكيف على المحك.

فرغم ما تمتلكه ليبيا من ثروات طبيعية ضخمة وموقع جغرافي استراتيجي، إلا أن النسيج الاجتماعي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة تفرضها التحولات السياسية المستمرة، والركود الاقتصادي، والكوارث البيئية المفاجئة.

هذه التحديات لا تقتصر على الجانب المادي أو البنية التحتية فحسب، بل تمتد لتؤثر بعمق في التركيبة السكانية، وطموحات الأجيال الشابة، ومستويات الاستقرار الأسري والمجتمعي في مختلف المدن.

 أزمة البطالة وشبح المستقبل المعلق

يعد قطاع الشباب الشريحة الأوسع والأكثر حيوية في المجتمع الليبي، لكنه مع الأسف الفئة الأكثر تضرراً من غياب الرؤية التنموية والاقتصادية الشاملة؛ إذ يعتمد الاقتصاد المحلي بشكل شبه كلي على الريع النفطي، مما خلق قطاعاً عاماً متضخماً على حساب القطاع الخاص الذي لا يزال ضعيفاً وعاجزاً عن استيعاب الكفاءات والقدرات الشابة.

وتبرز لغة الأرقام لتشخيص هذا الواقع بدقة؛ فقد أظهرت بيانات البنك الدولي الصادرة في عام 2024 أن معدل البطالة الإجمالي في ليبيا بلغ 18.61%.

والمقلق حقاً في هذه الإحصائيات هو تركز البطالة بين فئة الشباب، حيث بلغت نسبتهم نحو 49.52%، وهي تعتبر من أعلى المعدلات المسجلة في المنطقة.

ويرجع هذا الخلل الهيكلي إلى التباين الواضح بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل الحقيقية، إضافة إلى عزوف الكثيرين عن العمل في المهن الحرفية والتقنية انتظاراً لوظيفة حكومية توفر استقراراً شكلياً وتفتقر للإنتاجية.

هذا الواقع المعقد يولد إحباطاً مجتمعياً واسعاً، ويؤخر سن الزواج، ويقلل من فرص الاستقلال المالي، مما يدفع بعض الشباب نحو مسارات الهجرة أو الانخراط في الاقتصاد غير الرسمي بحثاً عن طوق نجاة.

 الكوارث الطبيعية واختبار التلاحم الاجتماعي

إلى جانب التحديات الاقتصادية المزمنة، فرضت التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية نفسها مؤخراً كعامل مؤثر بشدة في استقرار المجتمع الليبي وموارده المحدودة.

لقد مثلت العاصفة “دانيال” التي ضربت شمال شرق ليبيا في 10 سبتمبر 2023 نقطة تحول اجتماعية وإنسانية قاسية، خاصة في مدينة درنة التي عانت من انهيار السدود وما تبعه من فيضانات مدمرة محت أحياء كاملة من الخريطة.

لم تقتصر خسائر هذه الكارثة المروعة على تدمير الممتلكات والمرافق بل ضربت في صميم الاستقرار الاجتماعي والنفسي لمئات الأسر.

ووفقاً لتقرير المنظمة الدولية للهجرة (IOM) الصادر في أكتوبر 2023، بلغ عدد النازحين داخلياً بسبب الفيضانات نحو 44,862 شخصاً في جميع أنحاء ليبيا، وتحملت بلدية درنة العبء الأكبر والأكثر إيلاماً حيث سجلت بمفردها نزوح 23,500 شخص.

وقد اضطرت العديد من الأسر الفاقدة لمأواها إلى الانتقال نحو البلديات المجاورة في الشرق والغرب. وأظهرت البيانات الميدانية أن 55% من النازحين في درنة لجأوا إلى استئجار منازل على نفقتهم الخاصة في ظل ظروف مادية قاهرة، بينما استضافت العائلات والمجتمعات المحلية 44% منهم دون مقابل.

تعكس هذه الأرقام حجم المأساة التي أدت إلى تفكك شبكات اجتماعية بأكملها وفقدان الجيران والأقارب، ومن جهة أخرى تبرز قوة التضامن الاجتماعي وقيم التكافل المتأصلة التي خففت من حدة الصدمة ووفرت شبكة أمان بديلة عن مؤسسات الدولة.

الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على الأزمات

إن هذا المزيج من البطالة المرتفعة والنزوح الداخلي يخلق بيئة اجتماعية هشة تحتاج إلى رعاية خاصة.

فالأسر التي فقدت ممتلكاتها ومصادر دخلها في الكوارث تجد نفسها اليوم في مواجهة سوق عمل منكمش وظروف اقتصادية تشهد تقلبات مستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أن الضغط المفاجئ على الخدمات العامة في المدن المستقبلة للنازحين، كقطاعي الصحة والتعليم، يولد تحديات إضافية تتطلب تدخلاً منظماً لتجنب نشوء أي توترات. علاوة على ذلك، يبرز التحدي النفسي كأحد أهم التداعيات غير المرئية؛ فصدمة الفقد والتهجير تتطلب برامج دعم نفسي واجتماعي مؤسسية.

استثمار طاقات الشباب

يقف المجتمع الليبي اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث تتطلب القضايا الاجتماعية الراهنة معالجات جذرية وواقعية تتجاوز مجرد الحلول المؤقتة.

إن ارتفاع معدلات بطالة الشباب لتلامس حاجز الخمسين بالمئة، والتبعات الاجتماعية والنفسية العميقة لكارثة درنة، تعد بمثابة جرس إنذار يؤكد أن الاستقرار الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان وتوفير مقومات الحياة الكريمة له.

لا يمكن لليبيا أن تعبر بأمان نحو المستقبل دون تنويع اقتصادها لضمان خلق فرص عمل حقيقية للشباب، ودون وضع خطط وطنية استراتيجية لإدارة الأزمات وتأهيل المناطق المتضررة. إن تجاوز هذا الواقع المعقد ممكن متى ما استثمرت طاقات الشباب المهدرة وتوحدت جهود المجتمع بأسره لبناء بيئة قادرة على احتواء أبنائها وحمايتهم من تقلبات الاقتصاد وقسوة الكوارث.

Related Posts
Leave a Reply

Your email address will not be published.Required fields are marked *