بقلم: المعتز بالله بشير بازينه
كرة القدم في ليبيا ليست مجرد لعبة، بل هي متنفس للشعب، وشغف جيل، والنافذة الأكبر لطاقات الشباب. ورغم امتلاكنا مواهب فطرية وجمهور عاشق، إلا أن السؤال المرير الذي يطرحه كل شاب ليبي اليوم هو: لماذا نتأخر بينما يتقدم الآخرون؟
الإجابة الحقيقية، وإن كانت مؤلمة، لا تكمن في قلة الإمكانيات المادية، بل في تشخيص الداء الحقيقي الذي ينخر جسد رياضتنا: إنه داء “الدخلاء”.
لقد تحولت المنظومة الرياضية من ساحة للمنافسة الشريفة والتطوير، إلى بيئة طاردة للكفاءات و مستقطبة لعقليات لا تفقه في أبجديات الإدارة الحديثة شيئاً؛ ممّا جعل كرتنا ضحية لعشوائية ثلاثية الأبعاد: إدارية، وأمنية، وإعلامية.
-
الاستثمار الرياضي.. فكر مستدام أم “وجاهة” لرجال الأعمال؟
أولى طعنات العشوائية تبدأ من الهرم الإداري، لقد شهدنا في السنوات الأخيرة هجمة من بعض رجال الأعمال على رئاسة الأندية، والمشكل أن جزء كبيرا من رؤساء هذه النوادي يرون في الرياضة مجرد واجهة اجتماعية أو وسيلة لتحقيق مصالح ونفوذ شخصي.
والقاعدة تقول أن المال بلا فكر رياضي هو هدر للمستقبل، لذلك إن تسيير المؤسسات الرياضية اليوم أصبح علماً يُدرس، يعتمد على الاستثمار في المواهب الرياضية، وإنشاء بنية تحتية، وخلق مصادر تمويل ذاتية.
أما الاستمرار في عقلية “رئيس النادي الممول” الذي يشتري عقوداً وهمية للاعبين دون رؤية، ولم يمارس الرياضة أو يدرس إدارتها يوماً، فهو أول أسباب التراجع، فالرياضة بحاجة إلى “أهل الاختصاص العارفين بالميدان” لا إلى “أصحاب النفوذ الطارئين”.
الأمن الرياضي.. من “الصدام العسكري” إلى علم “إدارة الحشود”
المشهد الأكثر حساسية في كرتنا الليبية يتجلى في العلاقة بين الأمن والمدرج، وهنا يبرز الخلل الأكبر الناتج عن الدخلاء الذين لا يملكون خلفية عن علم “إدارة الحشود” (Crowd Management). هذا العلم ليس مجرد نظريات، بل هو تخصص دولي يدرس سيكولوجية الجماهير، وتصميم التدفقات، وتكتيكات الاحتواء الذكي، وهو ما تغيب أبجدياته عن ملاعبنا؛ حيث يُعامل المشجع غالباً بعقلية “المتهم” والملعب كـ “ثكنة عسكرية”.
لتفكيك هذا المشهد، يجب على الجهات الأمنية أولاً التخلي عن النظرة السطحية السائدة، ودراسة وتصنيف فئات الجماهير بوعي:
- الجمهور المتفرج: وهو المواطن البسيط أو العائلات التي تأتي للمتعة والمشاهدة، وتحتاج فقط إلى بيئة آمنة ومنظمة للدخول والخروج.
- روابط المشجعين التقليدية: وهي المجموعات الكلاسيكية التي تؤازر النادي بطرق تقليدية ويمكن التنسيق مع قياداتها بسهولة.
- فئة “الألتراس” (Ultras): وهنا مكمن الفهم المغيب. يميل الكثير من الدخلاء وصنّاع القرار إلى وصم الألتراس بـ “المتعصبين والمخربين”، وهذه قراءة قاصرة وجاهلة بطبيعة هذه المجموعات. الألتراس في ليبيا يضم فئات متعلمة، ومثقفة، وطلاب جامعات، يملكون فكراً تنظيمياً مذهلاً، ويسعون لمواكبة التشجيع الحضاري العالمي من خلال “التيفو”، اللوحات الفنية، والأهازيج المنظمة التي تضفي جمالية على الملاعب.
إن “الألتراس” يملك منظومة قيمية قائمة على الشغف والدفاع عن الكيان، لكنه في نفس الوقت كتلة بشرية حساسة جداً؛ إذا واجهت تعاملاً أمنياً جافاً، أو استفزازاً، أو محاولة لكسر الكبرياء، فإنها تنفجر من الغضب دفاعاً عن مجموعتها. هنا يأتي دور الأمن الرياضي المحترف: ليس قمع الألتراس، بل فهم “المايند سيت” (العقلية) الخاصة بهم، واحتوائهم كشريك في نجاح المباراة لا كعدو مفترض.
الإعلام والمراكز الإعلامية.. وقود التعصب ومنصات الاستفزاز
إذا كان الأمن يعجز أحياناً عن احتواء الغضب في الميدان، فإن الإعلام الرياضي والمراكز الإعلامية للأندية هي من تصنع هذا الغضب خلف الشاشات. من المؤسف والمفارِق أن نرى طفرة بصرية هائلة في جودة التصوير، والمونتاج، والغرافيكس، يقابلها هبوط حاد في المهنية والمسؤولية الأخلاقية.
تحولت المنصات الرسمية لبعض الأندية إلى منابر للاستفزاز الممنهج، وبث الفتن، والتلميحات الهابطة، وصناعة الأعداء الوهميين؛ وكل ذلك من أجل “التريند” وزيادة التفاعلات (Engagements). هذا الإعلام الموجه والدخيل على قيم الرياضة يعتاش على شحن الشباب و تغذية الأحقاد، متناسياً أن دور الإعلام الرياضي هو التثقيف والنقد البناء، وأن الكلمة غير المسؤولة قد تتحول إلى رصاصة أو حجر في الملعب.
خارطة الطريق: كيف نسترد رياضتنا؟
إن منتدى حوار الشباب، كمنصة وطنية واعية، يرى أن تشخيص الداء هو الخطوة الأولى لإنقاذ الشغف الليبي، ولن يتحقق الإصلاح إلا بـتغيير حقيقي للمنظومة:
- تأهيل الكوادر الأمنية: عبر إدخال مادة “إدارة الحشود” وسيكولوجية الجماهير في المناهج التدريبية للأمن الرياضي، والاعتماد على قنوات الاتصال والحوار مع روابط الألتراس بدلاً من لغة الهراوات والغاز المسيل للدموع.
- مأسسة الأندية: صياغة لوائح تمنع تغول المال السياسي أو التجاري دون وجود إدارة رياضية تكنوقراطية (أهل الاختصاص) تقود المشاريع.
- ميثاق شرف إعلامي صارم: يحاسب المراكز الإعلامية للأندية قبل الصحفيين، ويضع معايير مهنية تمنع خطاب الكراهية والاستفزاز.
ختاماً..
كرة القدم الليبية لن تنهض برجل أعمال يملك المال ويفتقد الرؤية، ولا برجل أمن يرى في المشجع خطراً أمنياً، ولا بإعلامي يرى في إشعال الفتنة تميزاً. الرياضة لأهل الرياضة، وحان الوقت ليتنحى الدخلاء جانباً، ويتركوا المساحة للشباب المؤهل والمختص لبناء مستقبل رياضي يليق باسم ليبيا وشبابها.


