المقاربات السياسية في ليبيا بين المتاهة المؤسساتية وجدلية المسار التأسيسي

المقاربات السياسية في ليبيا بين المتاهة المؤسساتية وجدلية المسار التأسيسي

بقلم: محمد عقوب

يواجه المشهد السياسي الليبي اليوم تحدياً بنيوياً معقداً، يتجاوز معضلة الانقسام المؤسساتي الأفقي إلى أزمة أعمق ترتبط بآليات التوحيد، والصيغ الدولية والإقليمية المطروحة لإدارة المرحلة. وتشير القراءة المتأنية والدقيقة للتطورات الأخيرة إلى إشكالية مكررة في إعادة إنتاج الأطر السياسية بالأدوات والمصطلحات التوجيهية ذاتها، مثل: “الملكية الليبية للعملية السياسية”، وإنهاء المراحل الانتقالية”، و”توحيد المؤسسات”.

وهي مفاهيم وجمل سياسية -رغم أهميتها النظرية والخطابية- باتت تفتقر إلى الإرادة الحقيقية والآليات التنفيذية على الأرض، مما حوّلها إلى صيغ لتمديد الأزمة وإطالة أمد الأزمات المتتالية منذ عام 2012.

تحديات المشهد السياسي

تتسم الديناميكية السياسية الحالية بنمط متكرر من رص الصفوف الظاهري؛ فكلما اقتربت البعثة الأممية من بلورة تفاهمات مشتركة أو مقاربة تسوية جديدة، تسارع الأطراف المحلية النافذة إلى تبني خطابات توافقية بروتوكولية لتخفيف الضغوط الدولية.

ويعقب ذلك عادةً طرح مسارات أو “خرائط طريق” موازية تلتف على المخرجات الأممية وتفرغها من مضمونها، وهذا السلوك للمناورة والتمسك بالمكتسبات الحالية أدى مراراً إلى انسداد الأفق السياسي، و استقالات متتالية للمبعوثين الأمميين الذين يصطدمون بحائط المصالح الضيقة.

وليس آخرها ما صدر من وثيقة المبادئ عن رؤساء المجالس الثلاثة التي تظلّ محل تساؤل مشروع؛ إذ يُنظر إليها كجزء من مناورات إطالة أمد الوضع القائم والتمترس في المواقع، عوضاً عن كونها رغبة جادة في تقديم تنازلات وطنية تؤسس لاستقرار مستدام.

التوازنات الإقليمية والدولية

كما لا يمكن فصل المتاهة الداخلية الليبية عن محيطها الإقليمي والدولي؛ فالتحركات الدبلوماسية والأمنية المكثفة التي شهدناها مؤخراً – والتي تمثلها الزيارات المتكررة رفيعة المستوى لكبار المسؤولين من دول الجوار ودول المنطقة يعكس تعقيد التوازنات الإقليمية وحجم تأثيرها في توجيه القرار الوطني.

وباتت تبرز المخاوف على الصعيد الدولي من مقاربات خارجية تحركها قوى دولية كبرى تريد فرض إرادتها بالثقل السياسي والدبلوماسي .

هذه التحركات تثير قلقاً متزايداً من أن تكون مدفوعة بأجندات اقتصادية وحسابات مالية تخدم أطرافاً خارجية أو تطلعات إدارات دولية بعينها، مما يهدد بتبديد المقدرات الليبية على حساب مشروع بناء الدولة السيادية والعدالة التنموية الملحة.

مراجعة تاريخية لنقطة الارتكاز

لعل فهم هذا الانسداد الدبلوماسي الراهن يتطلب العودة بالذاكرة السياسية إلى نقطة الارتكاز الأساسية: يوم 7 يوليو 2012، وهو يوم نعيش ذكراه هذه الأيام، حين توجّه نحو 1.6 مليون مواطن ليبي إلى مراكز الاقتراع بنسبة مشاركة تخطت 60% من المسجلين، في أول انتخابات عامة حُرمت منها البلاد لعقود طويلة.

اعتبر المتفائلون في ذلك الوقت أن ليبيا تخطت عتبة البداية الصعبة والتحقت بركب التعددية والديمقراطية وحق الإنسان في تقرير مصيره، ظناً بأن التحول الديمقراطي لا يحتاج لأكثر من إرادة الصندوق الحر والمشاركة في التصويت.

ورغم الضجيج الاحتفالي آنذاك، كانت هناك قراءات مغايرة للسائد، تحذر من استعجال الخطوات، حيث رأى أصحاب هذه القراءة أن بناء الدول المستقرة لا يقوم على حسن النوايا والشعارات العاطفية وحدها، بل يقتضي تحصين المرحلة الانتقالية عبر “مجلس ثوري” يدير البلاد لسنوات محددة، تُعبّد فيها الطرق وتُرتّب المؤسسات ويُصاغ الدستور على أرضية صلبة، بما يمنع الأطراف المناهضة للتداول السلمي من التغلغل داخل مفاصل الدولة الوليدة ونخر أساساتها.

وبالفعل فإنّ قراءة هذا المسار بعيون الحاضر، ونحن نرى عواصم المنطقة والدول الكبرى تساهم في تقرير مصير العاصمة الليبية، تقود إلى استنتاج موضوعي: إن يوم 7 يوليو، رغم نقاوته الشعبية، لم يكن عيداً وطنياً مكتملاً الأركان، بل كان بداية متسرعة لقطار وُضع على السكة قبل تعبيد الطريق وتأمين الوجهة.

استعادة المبادرة الوطنية

إن العودة الفكرية والسياسية إلى تلك المحطة التأسيسية لا تعني الرغبة في اجترار الماضي، بل تهدف إلى استخلاص الدروس الأساسية؛ فالأزمة الليبية اليوم بحاجة إلى تجاوز صيغ الترقيع الدبلوماسي وتدوير الشخوص والمجالس الحالية التي تسعى للتمترس في مواقعها حتى قيام الساعة!

حيث نرى بأنّ طوق النجاة الحقيقي يستوجب إعادة أمانة القرار إلى الشعب الليبي عبر مسار دستوري متفق عليه أولاً، يؤسس لانتخابات حقيقية تُستعاد من خلالها السيادة الوطنية الكاملة، بعيداً عن الإملاءات الخارجية والمناورات الموازية، لتبدأ ليبيا مجدداً وبخطى واثقة مسار البناء والاستقرار والتنمية.

Related Posts
Leave a Reply

Your email address will not be published.Required fields are marked *