بقلم : أ.محمود أحمد الكاديكي
لا يخفى على أحد أن الشباب فى المجتمع الليبى يعتبر الكتلة البشرية الأكبر والركيزة الأساسية التي يعول عليها فى إحداث التحول الديمقراطي والتنمية المستدامة.
ورغم هذه الأهمية الديمغرافية إلا أن واقع الحال يشير إلى وجود فجوة هيكلية واضحة بين هذه الفئة ومراكز صنع القرار فما زالت السياسات والمبادرات تصاغ وتوجه إليهم باعتبارهم متلقين سلبيين أو مستهلكين للخدمات دون إشراكهم كفاعلين أساسيين في مراحل التخطيط والرصد والتقييم.
إن إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والشباب تتطلب الانتقال من مقاربة الرعاية والوصاية إلى مقاربة الشراكة الفعلية و المواطنة النشطة.
تحديات وفرص وسط الأزمات
عاش الشباب الليبى على وجه التحديد طوال السنوات الماضية مخاضا سياسيا واقتصاديا معقدا، انعكس بشكل مباشر على طموحاتهم وفرصهم في التعليم والعمل والاستقرار وقد أدت هذه الظروف إلى تراجع الثقة فى المؤسسات الرسمية وتزايد الشعور بالتهميش.
ومع ذلك أظهرت الممارسات الميدانية قدرة فائقة لدى المجموعات الشبابية على التكيف والابتكار من خلال قيادة مبادرات العمل التطوعي وإطلاق مشاريع ريادية و مكافحة خطابات الكراهية مما يؤكد أن الأزمة ليست فى غياب الكفاءة بل فى غياب البيئة الحاضنة والمسارات المؤسسية الداعمة.
من الرعاية إلى الشراكة السياسية والتنموية
يضل اختزال تمكين الشباب فى تقديم القروض المالية أو توفير وظائف هامشية قراء قاصرة لاحتياجات هذه المرحلة فالتمكين الحقيقى يبدأ من الاعتراف بالشباب كشريك سياسي وتنموي يمتلك رؤية لواقعه وتطلعاته أن إيجاد قنوات تواصل دورية ومأسسة بين الشباب وصناع القرار يسهم فى صياغة سياسات عامة أكثر واقعية وأقرب لملامسة التحديات الميدانية.
كما أن هذا الإشراك يعزز السلم الأهلى ويسهم فى تجديد النخب الإدارية والسياسية عبر ضخ دماء جديدة قادرة على مواكبة العصر.
جسر العبور نحو سوق العمل الحديث
لا يخفى على كل ذي بصيرة ما تواجه المنظومة التعليمية فى ليبيا تحدي جوهري يتمثل فى اتساع الهوة بين المخرجات الأكاديمية ومتطلبات سوق العمل الحديث مما يفسر تنامي معدلات البطالة بين الخريجين.
إن مواجهة هذا الخلل تتطلب إصلاحا بنيويا يشمل تحديث المناهج و توجيه التعليم نحو التخصصات التقنية والرقمية وتفعيل الشراكات بين الجامعات ومؤسسات القطاع الخاص لتوفير فرص تدريبية عملية تسهم في صقل مهارات الطلاب وتجهيزهم للمنافسة.
وعلى النقيض نجد أن العمل التطوعي والنشاط المدنى يشكل فضاء لتدريب الشباب على القيادة وتحمل المسؤولية الوطنية وبناء شبكات تواصل تتجاوز الانقسامات الاجتماعية والجهوية.
ومن جهة أخرى يوفر التحول الرقمي السريع فرصة تاريخية للشباب في ليبيا لتجاوز العقبات الجغرافية والسياسية والاندماج في الاقتصاد المعرفي العالمى سواء عبر ريادة الأعمال الرقمية أو الابتكار المجتمعي.
غير أن هذه الفرص تظل رهينة بمدى توفر بنية تحتية تكنولوجية قوية وسياسات حكومية مشجعة وميسرة لتدفق المعلومات والخدمات.
نحو رؤية وطنية
أخيرًا أرى أن معيار نجاح أي رؤية وطنية للشباب لا يقاس بالشعارات والوعود بل بمؤشرات الانجاز الفعلية ومستوى دمج الشباب فى إدارة الشؤون المحلية والوطنية.
إن الاستثمار فى الشباب ليس خيارا ثانويا أو ترفا فكريا بل هو ضرورة حتمية لضمان استقرار البلاد وتماسكها الاجتماعي.
إن المستقبل الليبى الواعد لن يتأسس إلا عندما يتحول الشباب من مربع انتظار الحلول إلى مربع صناعتها وقيادتها بمشاركة حقيقية مع بقية قوى المجتمع.



بشير الجماعي
بالتوفيق والسداد يا صديقي محمود الكاديكي