بقلم : شاهين أبوبكر
في عالم أصبحت فيه المعرفة أساسًا للتقدم، لم يعد موقع الإنسان الجغرافي عائقًا حتميًا أمام مشاركته في صناعة المستقبل.
فالتطور الرقمي، وانتشار أدوات التعلم، واتساع مجالات البحث العلمي، أتاح للشباب في المدن البعيدة فرصًا جديدة للتعلم والتواصل والمساهمة في معالجة القضايا التي تمس مجتمعاتهم.
ومن هنا تبرز تجربة شباب الجنوب الليبي، الذين يعيشون في بيئة تتسم ببعد المسافات، وارتفاع درجات الحرارة، ومحدودية بعض الخدمات التعليمية والتقنية، لكنهم في الوقت نفسه يمتلكون طموحًا كبيرًا وقدرة على تحويل التحديات اليومية إلى أسئلة علمية وحلول عملية.
وبوصفي طالبًا من مدينة القطرون، ومن المكون التباوي، وفي مرحلة إعداد رسالة الماجستير في الهندسة الميكانيكية، أرى أن التعليم الهندسي لا ينبغي أن يكون مجرد طريق للحصول على شهادة أكاديمية، بل وسيلة لفهم مشكلات البيئة المحلية والمساهمة في تطويرها.
الهندسة المرتبطة بالواقع
تُعد الهندسة الميكانيكية من التخصصات التي ترتبط مباشرة بحياة الناس، لأنها تتعامل مع أنظمة الطاقة والتبريد والنقل والمعدات والصيانة.
وفي بيئة صحراوية مثل الجنوب الليبي، تزداد أهمية هذا التخصص بسبب الظروف المناخية القاسية، وطول الطرق، وكثرة الاعتماد على المركبات، والحاجة المستمرة إلى أنظمة تبريد وطاقة تعمل بكفاءة عالية.
ارتفاع درجات الحرارة والغبار ونقص الصيانة المتخصصة قد تؤثر بصورة مباشرة في أداء السيارات والمعدات، وتزيد من الأعطال والتكاليف التي يتحملها المواطن.
لذلك فإن دراسة هذه المشكلات علميًا ليست مسألة أكاديمية منفصلة عن المجتمع، بل خطوة نحو تقديم توصيات تساعد على تحسين الأداء وتقليل الأعطال ورفع كفاءة استخدام الموارد.
البحث العلمي كأداة للتنمية
يبدأ البحث العلمي الحقيقي من ملاحظة مشكلة موجودة في الواقع، ثم تحليل أسبابها باستخدام الأدوات العلمية، وصولًا إلى نتائج يمكن الاستفادة منها.
ومن هذا المنطلق، يتركز اهتمامي البحثي على دراسة أداء أنظمة تبريد السيارات تحت الظروف الصحراوية، بالاعتماد على المحاكاة الهندسية والتحليل الحراري.
وقد يبدو هذا الموضوع تقنيًا، لكنه يرتبط بحياة آلاف المواطنين الذين يتنقلون لمسافات طويلة في درجات حرارة مرتفعة. فعندما يدرس الباحث تأثير حرارة الجو وسرعة الهواء والغبار في كفاءة نظام التبريد، فإنه لا يبحث عن أرقام فقط، بل يحاول الوصول إلى حلول يمكن أن تسهم في تقليل الأعطال وتحسين سلامة المركبات وخفض تكاليف الصيانة.
كما أن الجنوب الليبي يضم مجالات واسعة للبحث والابتكار، مثل الطاقة الشمسية، وإدارة المياه، والتبريد، والنقل، والبناء الملائم للمناخ، وصيانة المعدات في البيئات القاسية.
هذه الموضوعات يمكن أن تتحول إلى مشروعات بحثية وتطبيقية إذا توفرت للطلاب المختبرات والبرامج والتدريب والإشراف العلمي المناسب.
الشباب التباوي وتمثيل الجنوب
إن انتمائي إلى المكون التباوي يمثل جزءًا مهمًا من تجربتي، لأنه جعلني أكثر وعيًا بأهمية حضور جميع مكونات المجتمع في التعليم والبحث العلمي والمؤسسات الوطنية، والتنوع الثقافي والاجتماعي في ليبيا ليس عائقًا أمام التنمية، بل مصدر قوة عندما تتاح الفرص على أساس الكفاءة والعدالة.
وحين ينجح شاب من القطرون أو من أي منطقة بعيدة في الوصول إلى الدراسات العليا، فإنه لا يمثل نفسه فقط، بل يفتح نافذة أمل لغيره، ويؤكد أن الموهبة والطموح لا يرتبطان بمدينة معينة أو مركز حضري محدد.
كما أن ظهور الشباب التباوي في مجالات الهندسة والبحث والابتكار يساهم في تقديم صورة أكثر توازنًا عن مجتمعات الجنوب، بعيدًا عن الصور النمطية التي تختزلها في الأزمات أو الهامش الجغرافي.
تحديات تحتاج إلى معالجة
ورغم ما يمتلكه شباب الجنوب من طاقات، لا تزال هناك تحديات تحد من مشاركتهم العلمية، من بينها بعد الجامعات ومراكز التدريب، وضعف الوصول إلى المختبرات والمراجع الحديثة، وصعوبة التنقل، وانقطاع الكهرباء والإنترنت، وقلة البرامج التي تستهدف احتياجات المناطق النائية.
ولذلك فإن دعم هؤلاء الشباب يتطلب جهودًا مشتركة من الجامعات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، عبر توفير منح عادلة، وبرامج تدريب، ومختبرات حديثة، وفرص للمشاركة في المؤتمرات، وربط البحوث الجامعية بالمشكلات الفعلية للمجتمع.
نحو مستقبل علمي مشترك
إن مستقبل ليبيا لا يمكن أن يُبنى من مركز واحد، ولا أن يعتمد على مورد اقتصادي واحد. بل يحتاج إلى استثمار حقيقي في الإنسان، وإلى تمكين الشباب في جميع المدن والمكونات من اكتساب المعرفة والمشاركة في إنتاجها.
ومن القطرون، كما من كل مدينة ليبية، يمكن أن يبدأ مشروع علمي أو فكرة هندسية تسهم في حل مشكلة حقيقية. وما يحتاجه الشباب ليس الشفقة، بل فرصة عادلة، وبيئة تؤمن بقدراتهم، ومؤسسات تساعدهم على تحويل طموحاتهم إلى أثر ملموس.
رسالتي إلى شباب الجنوب هي أن المسافة لا تحدد قيمة الإنسان، وأن صعوبة الظروف لا تعني غياب القدرة. فبالعلم والعمل والتمسك بالهوية والانفتاح على المعرفة، يمكننا أن نصنع حضورًا يليق بنا، وأن نشارك في بناء ليبيا أكثر عدلًا وكفاءة واستقرارًا.


