بقلم : امحمد سالم المهدوي
في السابع من يونيو/ حزيران الماضي، اجتمع نحو 120 ليبياً وليبية للمرة الأخيرة في إطار “الحوار المهيكل”، لا ليتفاوضوا أو يطرحوا آراءهم هذه المرة، بل ليعلنوا ختام رحلة بدأت قبل ستة أشهر في العاصمة الليبية طرابلس.
لم تكن جلسة احتفالية بالمعنى الحقيقي، بل كانت لحظة لتسليم ملف التوصيات الختامية لهذا الحوار إلى من يملك صلاحيات يمكنها أن تحوله من مجرد ورق مكتوب إلى قرار فعلي مُنفذ.
محاور النقاش والعمل
وبين هذين التاريخين، 14 ديسمبر و7 يونيو، عمل المشاركون في الحوار المهيكل عبر أربعة مسارات متوازية، لم يكن أي منها هامشياً أو شكلياً. فقد أنتج مسار الحوكمة وحده توصيات مفصلة حول شكل السلطة التنفيذية القادمة، بدءاً من صلاحيات المجلس الرئاسي وشروط الترشح لمناصبه، وصولاً إلى خيارين واضحين لكيفية تشكيلها ومنحها الثقة البرلمانية. كذلك وصل النقاش إلى العقدة التي ظلت تتكرر منذ عام 2011: المسار الدستوري، الذي تطلب اجتماعاً موسعاً بمشاركة خبراء دوليين قبل الاستقرار على صيغة توفيقية بين مقترحين متنافسين.
تشخيص الاقتصاد الليبي
لم يكن الحوار المهيكل مجرد أداة لإدارة المشهد السياسي، بل شكّل أيضاً محاولة جادة لتشخيص الاختلالات الاقتصادية التي أنهكت الدولة الليبية لأكثر من عقد.
فقد قدّم المسار الاقتصادي تشخيصاً شاملاً لأداء الاقتصاد الليبي خلال الفترة الممتدة من 2012 إلى 2025، راصداً عمق التشوهات في هيكل الإيرادات والإنفاق العام، وتفاقم الفجوات والاختلالات التنموية، إلى جانب التحديات المرتبطة برأس المال البشري.
كما انتقل إلى استشراف سيناريوهات المالية العامة حتى عام 2030، قبل أن يطرح حزمة واسعة من التوصيات الإصلاحية التي تشمل إصلاح الميزانية العامة وإدارة الدين، وحوكمة قطاع النفط واستعادة مستويات الإنتاج، وصولاً إلى مستقبل المؤسسة الليبية للاستثمار، وتنويع الاقتصاد وتعزيز دور القطاع الخاص.
وتشمل التوصيات كذلك إصلاح السياسات المالية والنقدية والتجارية وسوق العمل، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وإعادة ضبط أداء الأجهزة الرقابية.
الأمن والمصالحة
أما مسار الأمن، فقد تعامل مع القضية الأكثر حساسية في المعادلة الليبية، متناولاً سؤالاً جوهرياً: من يحمي صناديق الاقتراع؟ ومن يمنع تحول وقف إطلاق النار الهش إلى مواجهة جديدة؟ توزعت توصيات هذا المسار على أربع جولات نقاش: الأمن الانتخابي، منع النزاعات وحماية وقف إطلاق النار، حوكمة القطاع الأمني، وأخيراً توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وهو الملف الذي ظل منذ اتفاق الصخيرات الحلقة الأضعف في المسارات السابقة.
وفي مسار لا يقل أهمية، تناول مسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان ملفات لطالما بقيت معلقة في خانة “ما بعد الحل السياسي”، بينما هي في صلبه: العدالة الانتقالية، والمنازعات والمظالم العقارية، ومسودة قانون المفقودين العالقة لسنوات، إلى جانب توصيات وُجهت مباشرة إلى المجتمع الدولي ومجلس الأمن؛ مما يعني إدراك المشاركين أن بعض هذه الملفات يتطلب إرادة دولية تتجاوز القرار الليبي الداخلي.
مستقبل التوصيات
لم يكتفِ الحوار بالتوصيات النصية، بل ارفقها بأربعة ملاحق تفصيلية: مصفوفة تقييم الخيارات الدستورية وفق معايير القبول السياسي والتنفيذي، وميثاق ضمانات وطني ملزم لتنفيذ القاعدة الدستورية المؤقتة والمسار الانتخابي، وميثاق وطني ملزم للانتخابات يضمن قبول النتائج ويحصن المفوضية، ومذكرة توصيات لتهيئة بيئة انتخابية تمنع تحول الاستحقاق إلى أزمة جديدة.
تمثل هذه الملاحق في جوهرها محاولة لسد الثغرات التي أفشلت انتخابات عام 2021، من خلال صياغة أطر مسبقة للقبول بالنتائج بدلاً من الاكتفاء بتنظيم الاقتراع وترك التداعيات السياسية للمصادفة.
والسؤال الذي تطرحه هذه الوثيقة الضخمة هو: من يملك حق تبني هذه النتائج؟ فالتقرير يوضح في مواضع عدة أن ما ورد فيه يعبر عن آراء المشاركين فقط، ولا يمثل بالضرورة موقف بعثة الأمم المتحدة.
ومن ثم، فإن الجلسة الختامية لم تكن نهاية الطريق، بل نقطة تسليم الملف يحتاج لإرادة سياسية من مؤسسات تملك مصالحها الخاصة، ولا توجد ضمانات بأن هذه المؤسسات ستتبنى توصيات صيغت خارج أروقتها. ومع ذلك، يظل الحوار المهيكل تجربة قيّمة بطابعها التشاوري والتوثيقي.
لكن التاريخ الليبي المعاصر يذكرنا بأن أفضل التوصيات لا قيمة لها دون قرار سياسي جاد يسعى للتنفيذ الفعلي.
————————————-
المصادر:
بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL)، التقرير الختامي لمخرجات الحوار المهيكل 2026 .
https://unsmil.unmissions.org/sites/default/files/2026-06/sd%20final%20outcomes%20ARB_0.pdf


